عاد ملف المغربيات العالقات شمال شرق سوريا إلى واجهة النقاش من جديد، بعد إعلان التنسيقية المغربية للعالقين والمعتقلين في سوريا والعراق عن عودة خمس نساء مغربيات إلى أرض الوطن خلال الأسابيع الأخيرة، إثر استكمال مختلف الإجراءات القانونية والإدارية بتنسيق مع السفارة المغربية في دمشق.
وتأتي هذه التطورات في سياق الجهود المتواصلة لإعادة المغربيات العالقات في مناطق النزاع، خاصة اللواتي غادرن مخيم الهول وانتقلن إلى مناطق خاضعة لسلطة الإدارة السورية الجديدة، حيث أصبحت إجراءات تسوية الوضعية القانونية والحصول على وثائق السفر أكثر يسراً مقارنة بالسنوات الماضية.
وقال عبد العزيز البقالي، المنسق العام لـ”تنسيقية عائلات المعتقلين والمفقودين المغاربة في العراق”، إن “النساء الخمس اللواتي عدن إلى المغرب مازلن يعشن تحت تأثير الصدمات النفسية والظروف القاسية التي مررن بها خلال سنوات الإقامة في المخيمات السورية”، موضحاً أن “العديد منهن يعانين مشاكل صحية وأمراضاً مختلفة نتيجة الأوضاع المأساوية التي عشنها هناك”.
وأضاف البقالي، ضمن تصريح لرصد 24، أن “عملية العودة تمت بفضل التنسيق مع السفارة المغربية في دمشق”، التي وصفها بأنها “قائمة بالواجب”، رغم وجود بعض الإكراهات المرتبطة بالإجراءات اللوجستية والتنقل.
تحديات العودة
أشار البقالي إلى أن “أكبر التحديات التي تواجه العائلات حالياً يتمثل في ارتفاع تكلفة تذاكر السفر من دمشق إلى المغرب”، مبرزا أن “الرحلات تمر عبر قطر بسبب عدم سماح السلطات التركية لعدد من الحالات بالعبور عبر أراضيها”.
وأوضح منسق الهيئة أن “تكلفة تذكرة السفر للفرد الواحد تتراوح بين 20 ألفاً و25 ألف درهم تقريباً، وهو مبلغ يشكل عبئاً كبيراً على الأسر التي تنتظر عودة بناتها أو أقاربها من سوريا”.
كما أكد البقالي أن “عدداً من النساء اللواتي استكملن وثائقهن القانونية مازلن ينتظرن فقط توفير تذاكر السفر للعودة إلى المغرب”، معتبراً أن “هذا الجانب المالي أصبح من أبرز العراقيل المتبقية في الملف”.
وفي معرض حديثه عن الظروف التي رافقت نقل المغربيات من مخيم الهول أورد المنسق العام للتنسيقية أن “السلطات السورية الحالية بذلت جهوداً مهمة لتسهيل العملية”، مشيراً إلى أن “النساء اللواتي غادرن المخيم تم توفير السكن والأكل لهن ومساعدتهن على استكمال الوثائق اللازمة قبل التواصل مع السفارة المغربية”.
وأضاف المتحدث أن “السلطات السورية سهّلت أيضاً عملية التواصل بين المغربيات وعائلاتهن في المغرب من أجل توفير الوثائق المطلوبة لاستكمال ملفات العودة”.
وكشف البقالي أن “أغلب المغربيات كن متمركزات في مخيم الهول، وهو المخيم الذي شهد خلال الأشهر الأخيرة عمليات خروج لعدد من النساء نحو مناطق داخل سوريا تمهيداً لترحيلهن إلى بلدانهن الأصلية”؛ وفي المقابل أكد أن “الوضع مازال أكثر تعقيداً بالنسبة للمغربيات الموجودات في مخيم الروج، الذي مازال يخضع لسيطرة القوات الكردية”، مردفا بأن “الظروف الإنسانية هناك تبقى كارثية للغاية”، حسب تعبيره.
وأضاف المصرح نفسه أن “النساء المقيمات في مخيم الروج يعشن أوضاعاً صعبة من حيث الرعاية الصحية والخدمات الأساسية”، لافتا إلى أن “بعض الحالات الصحية تثير القلق بسبب سنوات المعاناة داخل المخيم”.
ورغم تسجيل تقدم في هذا الملف أكد البقالي أن “عمليات العودة مازالت متواصلة، إذ توجد نساء أنهين جزءاً كبيراً من الإجراءات القانونية والإدارية، فيما تنتظر أخريات استكمال الوثائق المطلوبة أو توفير تكاليف السفر”.
وأعرب المتحدث عن أمله في أن يتم إيجاد حلول لتجاوز عقبة تذاكر الطيران، داعياً إلى مزيد من الدعم لتسهيل عودة من تبقين من المغربيات الراغبات في الرجوع إلى أرض الوطن.
ويعيد هذا التطور تسليط الضوء على ملف العالقين المغاربة في سوريا والعراق، الذي ظل لسنوات من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً، خاصة في ظل التحديات القانونية والأمنية والإنسانية المرتبطة بإعادة النساء والأطفال من مخيمات شمال شرق سوريا إلى المغرب.
ملف معقد
في قراءته أبعاد هذا الملف أكد إحسان الحافيظي، الخبير في الشؤون الأمنية والإستراتيجية، أن تدبير ملف العائدين من بؤر التوتر التقليدية في العراق وسوريا يعد من أكثر الملفات تعقيداً وثقلاً التي تديرها المصالح الأمنية المغربية في الوقت الراهن.
وأوضح الحافيظي أن “الأمر يزداد حساسية عندما يتعلق بعودة نساء وأطفال كانوا التحقوا سابقاً بالتنظيمات الإرهابية، سواء بشكل فردي أو رفقة أزواجهم”، مشيراً إلى أن “المعطيات المتوفرة تتحدث عن نحو 1660 مغربياً التحقوا بمناطق النزاع، من بينهم 291 امرأة و630 طفلاً، بعضهم من آباء غير مغاربة”.
وأضاف المتحدث ذاته أن “أكثر من 770 مغربياً مازالوا عالقين إلى اليوم في سوريا والعراق، يتوزعون بين 387 طفلاً و136 امرأة و251 عنصراً آخر، بينما عاد عدد من الأشخاص في إطار إجراءات قانونية وقضائية، سواء عبر مذكرات بحث دولية أو من خلال التنسيق مع السلطات العراقية، إذ تمت إحالة من ثبت تورطهم في القتال ضمن صفوف تنظيم ‘داعش’ على العدالة فور وصولهم إلى المملكة”.
وأشار الخبير نفسه إلى أن “المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني عالج إلى حدود اليوم ما يقارب 152 حالة من العائدين من بؤر التوتر، من بينهم 130 حالة مرتبطة بالساحة السورية العراقية و14 حالة قادمة من ليبيا، إضافة إلى ثمانية أشخاص جرى ترحيلهم انطلاقاً من مخيمات الاعتقال التابعة لقوات سوريا الديمقراطية بمنطقة كوباني”.
ورغم نجاح المقاربة الأمنية المغربية في تدبير هذا الملف يحذر الخبير الأمني من المخاطر المرتبطة بعودة أشخاص نشؤوا أو عاشوا لسنوات داخل بيئات مشبعة بخطابات التطرف والغلو، وأوضح أن هذه الظروف قد تؤدي إلى تشبع بعض العائدين بالأفكار المتشددة، وهو ما يفرض استمرار اليقظة الأمنية والاستخباراتية من أجل تفادي أي تهديدات محتملة مستقبلاً.
وأكد المصرح أن “الأجهزة الأمنية المغربية نجحت خلال السنوات الماضية في تدبير ملف العائدين من التنظيمات المتطرفة، سواء من المشرق أو من منطقة الساحل الإفريقي، وذلك من خلال اعتماد مقاربة استباقية تقوم على جمع المعطيات الشخصية وبناء قواعد بيانات دقيقة حول العائدين، نساءً وأطفالاً ورجالاً، بما يسمح بإعداد ملفات تعريفية تساعد على التتبع والمراقبة والتقييم المستمر للمخاطر”، وزاد أن “التحدي الأمني لا يرتبط فقط بعملية العودة في حد ذاتها، بل أيضاً بإمكانية إعادة انتشار بعض العناصر المتطرفة بعد انتهاء وجودها داخل التنظيمات الإرهابية”.
وأوضح الحافيظي أن “التجارب الأمنية أظهرت أن عناصر التنظيمات المسلحة غالباً ما تنقسم إلى ثلاث فئات عند انهيارها: فئة تستمر في القتال إلى حين مقتل أفرادها، وفئة تغادر مناطق الصراع عبر الحدود هرباً من المعارك، وفئة ثالثة تختفي دون أن تترك أثراً واضحاً حول وجهتها أو أنشطتها اللاحقة”، واعتبر أن “هذه الفئة الأخيرة تمثل مصدر القلق الأكبر بالنسبة للأجهزة الأمنية، بسبب غياب المعلومات الدقيقة حول تحركاتها ومواقع انتشارها، وهو ما يفسر أهمية استمرار التنسيق الأمني والاستخباراتي على المستويين الوطني والدولي”.



