استنفرت إشعارات واردة من آمرين بالصرف وخزنة بمؤسسات ومقاولات عمومية مصالحَ المفتشية العامة للمالية، التي أوفدت لجانَ تفتيش إلى خمس مؤسسات عمومية، قصد التدقيق في أسباب تناسل قرارات التأشير بالرفض على تسلّم تجهيزات ومعدات، بداعي عدم تناسب مواصفاتها التقنية مع الشروط الواردة في دفاتر التحملات الخاصة بالصفقات.
وعلمت رصد 24 من مصادر جيدة الاطلاع توجيهَ اللجان إلى افتحاص مراحل تدبير صفقات المؤسسات المعنية لرصد مدى احترام المساطر القانونية والتنظيمية، والتحقق من مطابقة التوريدات للمعايير التقنية المحددة في الوثائق التعاقدية، موضحة أن مهام الافتحاص شملت التحقق من ظروف إعداد الصفقات وتنفيذها، وآليات مراقبة جودة المعدات قبل اعتماد صرف المستحقات المالية.
وأفادت المصادر ذاتها بأن مفتشي المالية يركزون على فحص محاضر اللجان التقنية المكلفة بمعاينة التوريدات، والوقوف على مدى التزامها بالضوابط المسطرية المعمول بها قبل التأشير على الاستلام، وسط شبهات مرتبطة بوجود تلاعب محتمل في محاضر تسلّم سابقة محرّرة لفائدة الموردين أنفسهم، وتورط مسؤولين عموميين في المصادقة على تجهيزات لم تكن مطابقة، وفق المعطيات المتوفرة، للشروط التقنية المطلوبة.
وأكدت المصادر نفسها أن هذه الشبهات شملت أيضا حالات تأشير على استلام معدات دون التثبت الفعلي من مطابقتها للمواصفات المتعاقد عليها، ليتبين في مراحل لاحقة أنها غير صالحة للاستعمال، ولا ترقى إلى الحد الأدنى من الجودة المطلوبة، مشددة على رصد مفتشي المالية مؤشراتٍ على استغلال علامات تجارية عالمية للتغطية على تلاعبات في صياغة طلبات عروض وصفقات، لتوريد تجهيزات لفائدة مؤسسات ومقاولات عمومية.
وانصبت مهام الافتحاص، في مرحلة أولى، حسب مصادر الجريدة، على ملابسات إدراج أسماء علامات تجارية بعينها ضمن دفاتر شروط صفقات التوريد، رغم تضمينها مواصفات تقنية دقيقة للتجهيزات المطلوبة، مما أثار شكوكا حول توجيه الصفقات لفائدة موردين محددين.
واستندت حالات رفض التأشير إلى خروقات مرتبطة بمقتضيات المادة الخامسة من المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، التي تمنع الإشارة إلى علامات تجارية إلا عند تعذر توصيف الخصائص التقنية بدقة، حيث امتدت التحريات الجارية إلى مراجعة مساطر إعداد الصفقات وسندات الطلب ووثائق المنافسة، بعد تسجيل اختلالات اعتُبرت “عيوبا مسطرية” أثرت على مبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
وأوضحت المصادر في السياق ذاته أن جهة التفتيش رصدت خلال مهامها الجارية لدى أقسام المشتريات والطلبيات بالمؤسسات العمومية المعنية، اختلالاتٍ أخرى مرتبطة باشتراط شهادات مطابقة واعتمادات تقنية لا يحوزها في الغالب سوى وكلاء حصريين لتجهيزات بعينها، إضافة إلى حالات تمت فيها تجزئة صفقات بصورة تبدو مقصودة للتحايل على عتبات الإلزامية التنافسية التي يفرضها مرسوم الصفقات العمومية، وهو ما اعتبره المفتشون “هندسةَ الصفقة” قبل الإعلان عنها.
وتوقف مفتشو المالية، وفق مصادر رصد 24، عند فروق في أسعار التوريد بين صفقات تضمنت مواصفات تقنية غامضة، وأخرى أبرمت وفق إشارات لعلامات تجارية عالمية، وصلت في بعض الحالات إلى هوامش مرتفعة، عجّلت بإخضاعها للتدقيق، خاصة في أصناف التجهيزات المعلوماتية والمكتبية التي تتسم أسواقها بمنافسة واسعة وتنوع في العروض.
ومن المنتظر أن تحدد تقارير اللجان مدى سلامة الإجراءات المتخذة، والمسؤوليات المحتملة عن اختلالات واردة في مسار التأشير والتسلم، قبل إحالتها على الجهات المختصة لاتخاذ المتعين وفق القواعد المنظمة للصفقات العمومية.



