من القوامة إلى الشراكة .. تغيرات تلامس مكانة الأب في الأسرة المغربية

من القوامة إلى الشراكة .. تغيرات تلامس مكانة الأب في الأسرة المغربية
من القوامة إلى الشراكة .. تغيرات تلامس مكانة الأب في الأسرة المغربية
رصد 24 الأحد 21 يونيو 2026 - 19:00 l عدد الزيارات : 2103

يشكل الاحتفال باليوم العالمي للأب، الموافق 21 من يونيو من كل سنة، مناسبة لتسليط الضوء على دور الآباء المحوري في بناء الأسرة والمجتمع، ومساءلة التحولات العميقة التي طرأت على صورة الأب داخل المجتمع المغربي، خاصة ما يتعلق بانتقاله تدريجيا من القائد المنفرد للأسرة، المقترن بالسلطة والخوف، إلى موقع المشاركة العاطفية واليومية، بل وإلى “الأب الصديق” والقريب عاطفيا من الأبناء، لا مجرد معيل فقط.

في هذا السياق، يُجمع مهتمون على أن صورة الأب المغربي عرفت تحولات كبيرة ناتجة عن عوامل متداخلة؛ منها تطور مفهوم الأسرة نفسها، وارتفاع مستوى تعليم المرأة، وخروجها للعمل، مما استلزم إعادة توزيع الأدوار وإعادة تعريف الأبوة بوصفها حضورا عاطفيا لا وظيفة بيولوجية فحسب، مبرزين أن هذا التحول، الذي ليس مجرد تعديل في السلوك الأبوي، يساهم في تعزيز استقرار الأسر، غير أن غياب التوازن في الأدوار الأبوية، بحسبهم، قد يؤدي إلى إنتاج جيل هش نفسيا واجتماعيا.

نموذج جديد

قال محمد حبيب، أخصائي نفسي واجتماعي، إن “صورة الأب داخل الأسرة المغربية عرفت تحولا عميقا، وإن كان تحولا غير مكتمل. فقد كان أب الأمس في المخيال الاجتماعي غالبا أبا مرتبطا بالهيبة، وتوفير المورد المالي، وحماية الأسرة من الخارج، وضبط النظام داخل البيت. كما كانت عاطفته موجودة في كثير من الأحيان، لكنها محتشمة، لا تعبّر عن نفسها كثيرا بالكلام أو العناق أو المشاركة اليومية؛ إذ كان الأب يحضر بقوة عند القرار، والعقاب، والإنفاق، لكنه قد يغيب عن التفاصيل الصغيرة: المرض، الدرس، اللعب، الخوف، السؤال العاطفي، أو الحكاية قبل النوم”.

وزاد: “أما أب اليوم، خصوصا لدى الجيل الجديد، فهو يحاول الانتقال من موقع الأب الذي يُطاع إلى موقع الأب الذي يُصغي ويشارك. ولم يعد حضوره يختزل في الراتب أو السلطة، بل أصبح يقاس أيضا بقدرته على تغيير الحفاظات، ومرافقة الطفل إلى الطبيب، وحضور الاجتماع المدرسي، والمساعدة في الواجبات، والطبخ، والإنصات للمشاعر، وتدبير لحظات القلق والخوف. وهذا لا يعني أن الأب فقد سلطته، بل إن السلطة نفسها بدأت تتحول من سلطة قائمة على الخوف والمسافة إلى سلطة قائمة على الثقة والاحتواء والحدود الواضحة”.

وحول العوامل التي دفعت إلى هذا التحول، ذكر حبيب، في تصريح لرصد 24، “انتقال الأسرة المغربية تدريجيا من نموذج الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، وارتفاع تعليم النساء، وخروج عدد منهن إلى العمل، وتزايد وعيهن بعدالة توزيع الأدوار داخل البيت، إضافة إلى انتشار الثقافة النفسية والتربوية وحقوق الطفل”، مبرزا أن “وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا مزدوجا في هذا الشأن؛ فهي من جهة تعرض نماذج جديدة للأب الحاضر، ومن جهة أخرى تضع الآباء تحت ضغط المقارنة وإثبات الأبوة الجيدة”.

وأكد الأخصائي النفسي والاجتماعي أن “هذا التحول قد يساهم في تقليل التوترات الزوجية المرتبطة بما يسمى ‘العبء الخفي’ أو ‘الحمل الذهني’. أما بالنسبة للأطفال، فالنشأة في كنف أب قريب عاطفيا ومشارك تمنحهم غالبا شعورا أكبر بالأمان النفسي، وتساعدهم على بناء الثقة في الذات، وتنمية القدرة على التعبير عن المشاعر، وتحسين مهارات الحوار، وتخفيف العدوانية أو الانسحاب الناتج عن الخوف المفرط من الأب”.

وخلص محمد حبيب إلى أن “الأجيال التي نشأت تحت سلطة الأب “المهاب” اكتسبت أحيانا الانضباط والاحترام، لكنها دفعت في حالات كثيرة ثمنا عاطفيا: صعوبة في البوح، خوف من الخطأ، ضعف في الحوار مع الأب، وربما ربطا بين الرجولة والقسوة أو الصمت. غير أن النموذج الجديد ليس بلا مخاطر؛ فإذا تحول الأب “الصديق” إلى أب متساهل بلا حدود، أو إلى صديق أفقي يفقد موقعه التربوي، فقد ينتج أطفالا أقل قدرة على احترام القواعد وتحمل الإحباط”.

تطور مجتمعي

أوضح خالد التوزاني، أستاذ جامعي رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، أن “الأب المغربي، في ظل الإصلاحات التشريعية والتحولات الاجتماعية، مدعو اليوم إلى تجسيد نموذج جديد يجمع بين المسؤولية والتضحية، وبين السلطة والحوار، وبين التقاليد والانفتاح على المستقبل”، مضيفا أن “الأب في الماضي كان ضمن النموذج التقليدي حيث يمثل المصدر الأساسي للهيبة والسلطة والقوامة داخل الأسرة، ووظيفته تُختزل غالبا في كونه رب الأسرة أو المعيل والمسؤول عنها، بحيث هناك مسافة عاطفية واحترام مقترن بالخوف أحيانا، وكان تأثيره يقتصر على التدخل في الحالات القصوى أو اتخاذ القرارات الكبرى”.

وبيّن التوزاني، في تصريح لرصد 24، أن “الأب في النموذج المعاصر أصبح أكثر مشاركة في تفاصيل الحياة اليومية للأسرة، من عناية بالأطفال ورعاية لشؤون المنزل، وصارت هيبة الأب قائمة على الحوار والاحترام والثقة، وليس على الترهيب أو القمع أو السلطة”، مشددا على أن “هذا التحول العميق هو نتاج تفاعل مجموعة من العوامل المتشابكة: منها ما هو قانوني مثل إصلاح مدونة الأسرة التي جعلت الأسرة مسؤولية مشتركة بين الزوجين وأقرت حقوقا متساوية في رعاية الأطفال، منتقلة بذلك من منطق القوامة إلى منطق الشراكة”.

وزاد أن “هناك أيضا عوامل اجتماعية واقتصادية، على رأسها انتشار التعليم وخروج المرأة للعمل، مما استدعى بالضرورة إعادة توزيع الأدوار الأسرية؛ إذ لم يعد من الممكن أن يقتصر دور الأب على كونه المعيل الوحيد. إضافة إلى تزايد الوعي بأهمية الأبوة العاطفية، حيث أكدت بعض الدراسات الحديثة أن مشاركة الأب في تربية أطفاله بشكل مباشر تسهم في تعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتقلل من السلوكيات العدوانية، وتنمي قدرتهم على تنظيم مشاعرهم. ولذلك، لم يعد الدور العاطفي حكرا على الأمهات، بل أصبح الأب شريكا فاعلا في بناء التوازن النفسي للأبناء”.

ولفت رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي إلى أن “هذا الانتقال في الأدوار يحمل في طياته تأثيرات إيجابية كبيرة على استقرار الأسرة المغربية؛ إذ تعزز هذه الشراكة التماسك الأسري وتقلل من النزاعات، لأنها توزع الأعباء وتخلق شعورا بالعدالة والتعاون والتضامن بين الزوجين. كما أنها تسهم في بناء بيئة أسرية أكثر استقرارا نفسيا، حيث يشعر الأطفال بالأمان والانتماء من خلال وجود أب حاضن ومشارك في كل شيء. لكن في المقابل تواجه هذه الشراكة تحديات، أبرزها ضغوط العمل وظروفه الصعبة مثل ساعات الاشتغال الطويلة التي تحد من وقت الأب، مثلما تقلص من مساحة الأم داخل البيت، بالإضافة إلى استمرار الصور النمطية المجتمعية التي لا تزال تختزل دور الأب في كونه المعيل ورب الأسرة الأول”.

وأوضح خالد التوزاني أن “حضور الأب في مرحلة مراهقة الأطفال يكون قويا لخلق التوازن بين ما يريده المراهق وما يقتضيه العقل من انضباط واحترام للأعراف الدينية والاجتماعية، أما الأطفال الذين ينشؤون دون حضور أبوي فعّال، فغالبا ما يواجهون صعوبات في الاندماج داخل المجتمع؛ لأن الأم بطبيعتها تسرف في العناية بأبنائها فيكبرون أقل اعتمادا على أنفسهم وأكثر تهاونا في أداء واجباتهم”، مشددا على أن “صورة أب اليوم خضعت لتحولات كبيرة، تعكس تطور المجتمع المغربي بما يتوافق مع روح العصر ومع رهان الدولة المغربية على إدماج كل الفئات الاجتماعية في التنمية والإنتاج”.

تابعوا آخر الأخبار من رصد 24 على WhatsApp

مقالات ذات صلة

خبراء يحذرون من "هلوسات الذكاء الاصطناعي" في المؤسسات العمومية
الأحد 21 يونيو 2026 - 15:00

خبراء يحذرون من "هلوسات الذكاء الاصطناعي" في المؤسسات العمومية

هل يتجه المغرب إلى تقييد استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي؟
الأحد 21 يونيو 2026 - 11:00

هل يتجه المغرب إلى تقييد استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي؟

رابطة الأساتذة المتقاعدين تدعو للإنصاف
الأحد 21 يونيو 2026 - 10:07

رابطة الأساتذة المتقاعدين تدعو للإنصاف

إنذار سيبراني بالمغرب .. حملة تسريب عالمية تستهدف مؤسسات وطنية
الأحد 21 يونيو 2026 - 10:00

إنذار سيبراني بالمغرب .. حملة تسريب عالمية تستهدف مؤسسات وطنية