هوس الحصول على معدلات مرتفعة يغيّر نظرة الأسر إلى النجاح في "الباك"

هوس الحصول على معدلات مرتفعة يغيّر نظرة الأسر إلى النجاح في "الباك"
هوس الحصول على معدلات مرتفعة يغيّر نظرة الأسر إلى النجاح في "الباك"
رصد 24 الخميس 18 يونيو 2026 - 02:00 l عدد الزيارات : 3875

مع إعلان نتائج امتحانات البكالوريا كل سنة تتجدد مشاهد الفرح داخل عدد من الأسر المغربية احتفاءً بنجاح أبنائها، غير أن طبيعة هذا الاحتفال لم تعد كما كانت في السابق؛ فبعدما كان الحصول على شهادة البكالوريا في حد ذاته إنجازًا يستحق التقدير والاحتفاء بغض النظر عن المعدل المحصل عليه أصبحت الأنظار اليوم تتجه بشكل متزايد نحو النقاط والمراتب، إلى درجة أن النجاح لم يعد كافيًا لإثارة مشاعر الرضا لدى بعض الأسر.

وفي ظل تنامي ثقافة التنافس الدراسي وارتفاع سقف التوقعات بات المعدل المرتفع معيارًا أساسيًا للحكم على قيمة النجاح، ما يجعل بعض التلاميذ يعيشون ضغوطًا إضافية حتى بعد اجتياز الامتحان بنجاح، ويفتح النقاش حول العوامل الاجتماعية والتربوية التي غيرت نظرة المجتمع إلى هذه المحطة الدراسية المفصلية.

فرحٌ مشروط

إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال إن “الملاحظة الإكلينيكية والاجتماعية تُسجل تغيرًا جذريًا في نمط تفاعل الأسر مع نتائج البكالوريا”، موضحًا أن “السلوك تحول من استجابة طبيعية تحتفي باجتياز المرحلة إلى حالة من الحداد النفسي والصدمة إذا لم يتجاوز المعدل عتبة التميز المطلق (17 أو 18 على 20)، وهذا المعطى لا يعكس تغيرًا في العادات، بل يُترجم أزمة نفسية مركبة تتطلب تفكيكًا إكلينيكيًا لفهم آلياتها وتأثيرها المباشر على البناء العاطفي للمراهق”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “الاستجابة السلبية للآباء تجاه معدل ‘متوسط’ أو ‘مستحسن’ ليست في جوهرها رفضًا لشخص الابن، بل هي ميكانيزم دفاعي لاشعوري، حيث يُسقط الآباء قلقهم المزمن تجاه المستقبل، تحديات سوق العمل، والهشاشة الاقتصادية على ورقة الامتحان، وفي هذا السياق يعمل المعدل المرتفع جدًا كمُسكّن لـ’قلق الاستباق (Anxiété d’anticipation)’، وعند غياب هذا الرقم العالي تُعري النتيجة مخاوف الوالدين، فيُترجم هذا الخوف فورًا إلى انفعال وإحباط يُفرغ في وجه التلميذ الناجح”.

وأضاف الحسناوي، في تصريح لرصد 24، أن “التلميذ الحاصل على معدل 13 أو 14 يُوضع في مأزق نفسي حاد، فهو من جهة يدرك واقعيًا أنه اجتاز الامتحان وتجاوز عتبة الرسوب، ومن جهة أخرى يستقبل من محيطه الأسري رسائل غير لفظية تعامله كراسب ومخيب للآمال، وهذا التعارض يخلق حالة من التنافر المعرفي، تُعطل قدرة المراهق على معالجة مشاعر الفرح أو الارتياح، وتدخله في انغلاق عاطفي وشعور مستمر ومبهم بالذنب”.

وعن “الخطر الأكبر لهذا التفاعل” أكد الأخصائي النفسي ذاته أنه “يكمن في البنية المعرفية التي يستبطنها المراهق”، موردا أنه “عندما يُقابل النجاح العادي بالبرود أو التوبيخ يتعلم التلميذ أن أحقيته في التقدير والانتماء داخل النسق الأسري مشروطة حصريًا بالأداء الرقمي الفائق، وهذا التوجه يؤسس لـ’تقدير ذات مشروط’، يفرز فردًا بالغ الهشاشة، يفتقد للمناعة النفسية التي يوفرها القبول غير المشروط، ما يجعله عرضة للاكتئاب والاحتراق النفسي عند أول إخفاق مهني في المستقبل”.

ومن جهة أخرى قال المصرح نفسه إن “المنصات الرقمية تُعمق هذه الأزمة عبر آلية المقارنة الاجتماعية (Comparaison sociale)، حيث يتعرض الآباء، يوم النتائج، لسيل من المنشورات التي تحتفي بمعدلات شبه كاملة، وهذا الضخ يخلق معيارًا معرفيًا مشوهًا، يُصنف بموجبه الإنجاز الطبيعي كإخفاق، وتُفرض الكمالية كمعيار وحيد للقبول، وهو ما يرفع معدلات القلق والتوتر الانفعالي داخل البيوت”.

ولحماية التوازن النفسي داخل الأسرة أكد الحسناوي ضرورة إعادة هيكلة معرفية لمفهوم النجاح وفق عدد من المحددات، من بينها “فك الارتباط بين القيمة والنقطة، لأن التقييم المدرسي يقيس التحصيل الأكاديمي في ظرفية محددة، ولا يقيس مستوى الذكاء الشامل (Intelligence globale) أو القدرة على التكيف وإدارة أزمات الحياة”، و”تثمين السلوك والجهد (Valorisation de l’effort) عبر توجيه الانتباه الأسري نحو الجهد المبذول طيلة المسار الدراسي، بدلاً من التركيز الحصري على النتيجة الرقمية النهائية”.

ودعا الأخصائي عينه إلى ضرورة “تفعيل المرونة النفسية (Résilience)”، وقال في هذا السياق: “عوض استنزاف الطاقة النفسية في الحداد على معدل لا يخول ولوج مؤسسة بعينها يجب توجيه المراهق نحو تقبل الواقع والبحث البراغماتي عن البدائل المتاحة عبر صياغة خطط بديلة (Plan B)”، قبل أن يشير إلى أن “البكالوريا محطة تقييم مرحلية، والاحتواء العاطفي للتلميذ الناجح هو أولوية تسبق أي حسابات متعلقة بالتوجيه أو المقاعد الجامعية”.

مأزق النجاح

سامي دقاقي، باحث في علم النفس وعلوم التربية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين الدار البيضاء، قال إن “الاحتفال بالنجاح في البكالوريا لم يعد، للأسف، مرتبطًا بالنتيجة العددية ذاتها، وبما تحمله من دلالات علمية ومعرفية في سياق ميريتوقراطي ينهض على ‘ثقافة النتائج’ كما أشار إليها في كتاباته الخبير المغربي في التربية البروفيسور الخمار العلمي، بل أصبح الآباء اليوم ينظرون إلى قيمتها الرمزية في سوق تنافسي تعرف فيه الشهادات تضخمًا وتدهورًا”.

وأضاف دقاقي، في تصريح لرصد 24، أنه “في الماضي كان النجاح محطة فاصلة، أما اليوم، مع هاجس التميز الذي أضحى يفرضه منطق الأسر في تبرير اختياراتها، فتحول المعدل (العالي) إلى مقياس وحيد للقيمة، وهذا الأمر تحديدًا هو ما نبّه إليه السوسيولوجي الفرنسي François Dubet، إذ أشار إلى أن الميريتوقراطية القائمة على مبدأ التميز حين تصبح اهتجاسًا أساسيًا تصير قسوة تحمّل الفرد مسؤولية وضعه، وتكرس إحباط من لا يبلغون الدرجات العليا”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “السوسيولوجية Marie Duru-Bellat أكدت بدورها أن الهيمنة المدرسية جعلت الأسر تعيش في خوف دائم من التصنيف جرّاء التشبع بثقافة التميز، بحيث لم يعد النجاح عبورًا أو تحصيلاً لنتائج الجهد والمثابرة، بقدر ما أصبح رهانًا على المكانة الاجتماعية، كما لو أن الشهادة فقدت قدرتها على الحماية، وأمسى التفوق درعًا وحيدًا في نظام يكرس التمايز بدل التميز الحقيقي القائم على الاستحقاق الدراسي والمعرفي”.

وذكر الباحث في علم النفس ما تناولته السوسيولوجية الفرنسية Agnès Van Zanten حين ألمحت إلى كيف يتحوّل هاجس التميز إلى إستراتيجية عائلية للحفاظ على المكانة، لافتا إلى “العائلات التي تنتمي إلى الشرائح الاجتماعية المميزة التي لم تعد تكتفي بالنجاح العادي، بل تعمل بوعي على استثمار كل رأسمالها (الثقافي، الاقتصادي، الاجتماعي) في إستراتيجيات تعليمية دقيقة هدفها الحفاظ على الوضع النخبوي وتجديده عبر الأجيال، وذلك عبر تحقيق التميز وخوض سباق محموم نحو ولوج المعاهد العليا داخل الوطن وخارجه بغاية البقاء في دائرة النخبة الاجتماعية”.

وقال دقاقي: “في تقديري يلتقي هذا التحليل مباشرة مع ما نراه اليوم من شعور بأن النجاح العادي غير كافٍ، كما يلتقي مع ما يُلاحظ اليوم من تحوّل هاجس ‘الدبلمة (Diplomation)’ إلى هاجس للتميز وتحصيل أعلى معدل (أو المراكز الثلاثة الأولى)، أو بمعنى آخر تحوّل النجاح الفردي إلى ضرورة اجتماعية للحفاظ على مكتسبات الأسر ومكانتها في نظام أصبحت فيه الشهادة العادية تفقد قيمتها التنافسية”.

وأضاف الباحث ذاته أن “هذا التوجه للأسف لا يمكن أن يمر دون آثار سيكولوجية قاسية في الكثير من الأحيان، على رأسها حالات القلق المزمن التي تسيطر على التلاميذ (وحتى الأسر)، جرّاء تصوّرهم أن النجاح العادي هو نجاح منقوص، بما أنه لم يتوّج بمعدل عالٍ أو استثنائي، وهو ما يؤثر بالمقابل على تقدير الذات لدى الأبناء طالما أن قيمة نجاحهم تظل رهينة بمعدل عالٍ وليس بالجهد والتكوين المعرفي والمهاراتي للشخصية”، وزاد: “كما قد يؤدي الإرهاق النفسي وحجم الضغوط المرتبطة بالتحصيل والمراقبة إلى الدخول في حالات اكتئاب قد تكون نتائجها وخيمة على الأبناء كما على الأسر”.

تابعوا آخر الأخبار من رصد 24 على WhatsApp

مقالات ذات صلة

الشروع في تجربة منصة رقمية لتدبير امتحانات رخص السياقة المغربية
الخميس 18 يونيو 2026 - 05:00

الشروع في تجربة منصة رقمية لتدبير امتحانات رخص السياقة المغربية

تأمين احتياجات الصيف يدفع الوكالة المغربية للدم نحو الشواطئ والمهرجانات
الخميس 18 يونيو 2026 - 00:00

تأمين احتياجات الصيف يدفع الوكالة المغربية للدم نحو الشواطئ والمهرجانات

نتائج الامتحان الموحد للبكالوريا تعيد طقوس الفرح الجماعي إلى الأسر المغربية
الأربعاء 17 يونيو 2026 - 19:00

نتائج الامتحان الموحد للبكالوريا تعيد طقوس الفرح الجماعي إلى الأسر المغربية

الشعباني: مواقع التواصل الاجتماعي في "فوضى صحية" تضلل المرضى
الأربعاء 17 يونيو 2026 - 16:00

الشعباني: مواقع التواصل الاجتماعي في "فوضى صحية" تضلل المرضى