جددت واقعة إقدام طالب بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي على الانتحار الجدل حول موضوع الصحة النفسية للطلبة، في ظل الضغوط الدراسية التي ترافق الدراسة بعد مرحلة البكالوريا.
وفي ظل ارتفاع حالات الانتحار في صفوف الطلبة الجامعيين خلال السنوات الأخيرة، يرى خبراء أن حل الإشكال يكمن في إتاحة مراكز للإنصات والاستماع في مؤسسات التعليم العالي، ووضع استراتيجية وطنية للنهوض بالدعم النفسي والاجتماعي.
عادل الحساني، خبير في علم النفس الاجتماعي، وصف الواقعة بالمؤسفة، لافتا إلى شدة الضغط الذي يتحمله الطلبة بعد مرحلة البكالوريا، خصوصا في المعاهد ذات الاستقطاب المحدود، موضحا أن الطلبة بهذه المؤسسات يعيشون ضغطا متواصلا منذ البكالوريا من أجل تحقيق معدلات عالية تتيح لهم الولوج إلى هذه المعاهد، ثم يواجهون بعد ذلك ضغطا أكبر، وذلك إلى جانب خصوصية كل حالة على حدة.
وأضاف الحساني، في تصريح لرصد 24، أن هناك خيارات لتحويل الضغط النفسي والجسدي إلى مسارات ذات معنى، حيث يمكن للطالب مثلا كتابة قصة أو التعبير عما يعيشه ومحاولة إضفاء دلالة على تجربته من الناحية النفسية أو الجسدية.
وأوضح كذلك أن الكارثة تكمن في تعرض الطلبة لضغوط تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تُدرك لديهم كضغوط شديدة التأثير، ما يجعل الجسد يضخمها بشكل كبير، وقد يدفع إلى إيذاء الذات أو حتى الانتحار كإرادة لدى هذه الفئة.
وأشار الخبير في علم النفس الاجتماعي إلى أن الرصد العلمي للانتحار يبين أنه ليس مبنيا على الإرادة بشكل كامل، بل هو سلوك تدميري داخلي لا إرادي، مبرزا إمكانية تطور هذا السلوك غير الإرادي.
ودعا وزارة الصحة إلى الانتباه إلى هذه الظاهرة، مشيرا إلى أن العديد من الحالات إما تعيش “اضطرابات نفسية” أو تلجأ إلى الانتحار.
وفي الختام، شدد الحساني على ضرورة إحداث مراكز للاستماع داخل المناطق الجامعية، عبر إتاحة أخصائيين نفسيين رهن إشارة الطلبة، وتوفير مواعيد استماع مجانية ممولة من طرف الدولة، موردا أن هذا الإجراء من شأنه أن يساهم في تفادي العديد من الحالات، وأن المسألة تحتاج فقط إلى الاستماع وإعادة تموضع الأفكار وموازنتها بإخراجها من دائرة المبالغة إلى التوازن الواقعي.
من جانبه، أشار خالد الصمدي، رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية، إلى أن الانتحار في صفوف الطلبة ليس ظاهرة مغربية صرفة، بل تبرز أيضا على الصعيد الدولي، موضحا أن سبب هذه الظاهرة هو ما يرافق امتحانات البكالوريا، وكذلك امتحانات المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود، من هالة على مستوى أنظمة الدراسة والتقييم.
وأضاف الصمدي، في تصريح لرصد 24، أن طلبة كثرا من المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود يلجؤون إلى الأخصائيين النفسيين والمستشفيات من أجل تتبع الأمراض الذهنية والعصبية الناجمة عن القلق وما إلى ذلك.
واعتبر أن حلّ هذا الإشكال يكمن في إعادة النظر في أنظمة الدراسة والتقييم، التي تركّز حاليا على استرجاع المعارف، عوض التركيز على تقييم القدرات والمهارات الحياتية والذهنية، كالقدرة على التحليل والتعبير والتعليل والاستكشاف والتعليق والمقارنة، مؤكدا أن هذه هي الكفايات الأساسية لمدرسة القرن الحادي والعشرين.
وكحلٍّ ثانٍ لهذا الإشكال، اقترح الخبير التربوي توفير تجارب للدعم النفسي والاستشارة، عبر إنشاء خلايا الإنصات الموجودة حاليا في عدد من المؤسسات التعليمية، لافتا إلى أن هذه التجربة شهدت تطورا ملحوظا خلال فترة جائحة كورونا حين انتبهت مجموعة من المؤسسات إلى هذا الإشكال فلجأت إلى توفير خلايا للإنصات والدعم النفسي، غير أن هذه التجربة تراجعت بعد مرحلة الجائحة بفعل انحسار الشعور العام بالقلق من الوباء.
وشدد المصدر نفسه على أنه كان ينبغي استثمار تلك المرحلة لتطوير منظومة الدعم النفسي داخل مؤسسات الاستقطاب المحدود، التي تتسم بضغط مزدوج، سواء على المستوى النظري أو على صعيد التداريب الميدانية، مما يرفع بدوره من منسوب القلق لدى هذه الفئة.
ودعا الصمدي إلى تقييم هذه التجارب بهدف وضع استراتيجية وطنية للدعم النفسي والاجتماعي، مبرزا أن هذه الخطوة يمكن أن تتم بالتعاون مع مختلف الأطراف المعنية، بما فيها وزارة التعليم العالي، ووزارة الصحة، ووزارة الشباب، فضلا عن الإعلام، بالنظر إلى دوره المحوري، وذلك من خلال توقيع اتفاقية مشتركة لإنشاء مراكز جامعية للاستماع، بحيث تتوفر كل جامعة على مركز يضم نخبة من الأخصائيين.
ودعا الخبير التربوي كذلك إلى استثمار التواصل عن بُعد، والاستعانة بمزايا الذكاء الاصطناعي، بشرط أن يكون ذلك بعيدا عن العشوائية والشعبوية، وحثَّ على تعزيز الدعم الاجتماعي للطلبة، عبر الرفع من قيمة المنح الجامعية، بغية التخفيف من الضغوط الاجتماعية، موضحا أن غالبية الطلبة يساورهم هاجس الرسوب وفقدان نصف المنحة الجامعية، بل وأحيانا حتى امتياز الإقامة في السكن الجامعي.
وفي الختام، أكد خالد الصمدي أن جميع التخصصات وتكوينات التعليم العالي، بمختلف أسلاكه، ينبغي أن تتضمن وحدة دراسية تُدرَّس باللغة العربية في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا سيما التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع، وذلك بوصفها مادة دراسية تُرسّخ أهم الملكات التي تتيحها هذه العلوم.



