حكاياتٌ مَغربيّةٌ

حكاياتٌ مَغربيّةٌ
حكاياتٌ مَغربيّةٌ
رصد 24 الأربعاء 10 يونيو 2026 - 22:06 l عدد الزيارات : 3713

الحكاية الأولى: حينَ تتحوّلُ العلامةُ إلى وَطن

لم يكن أحمد الشرقاوي رساما يكتفي بتوزيع الألوان على القماش؛ كان حفّارا في الذاكرة المغربية، باحثا عن روحها في أكثر طبقاتها عمقا وسرية. ففي مرحلة كانت فيها الفنون الحديثة في العالم العربي تميل إلى الاقتداء بالنماذج الأوروبية، اختار الشرقاوي مسارا خاصا، مسارا ينصت إلى الذاكرة الجماعية، ويستخرج من رموزها الشعبية والأمازيغية طاقة تشكيلية جديدة، ثم يعيد صوغها في لغة معاصرة ذات نفس كوني. في لوحاته، تتجاور العلامات الأمازيغية والحروف والإشارات الشعبية مع مساحات لونية حية، فيتحول العمل الفني إلى فضاء تنطق فيه الأرض والتاريخ والإنسان. لم يكن يرسم الأشياء كما تظهر للعين؛ كان يرسم صداها العميق في الوجدان. لذلك تبدو أعماله شبيهة بقصائد بصرية، مشبعة بالحدس، والذاكرة، والأسئلة المفتوحة. أدرك الشرقاوي مبكرا أن الحداثة الحقيقية لا تقوم على استنساخ الآخر؛ تنشأ حين تتحول الجذور إلى قوة ابتكار. من هنا جاءت فرادة تجربته؛ فقد جعل من الرمز المحلي مادة جمالية قادرة على مخاطبة العالم، من دون أن تفقد انتماءها العميق إلى التربة المغربية. لذلك غدت لوحاته جسرا بين التراث والتجريب، وبين الخصوصية والانفتاح، وبين العلامة القديمة والرؤية الحديثة. واليوم، حين تبلغ إحدى أعماله أرقاما قياسية في المزادات العالمية، لا تكمن القيمة الحقيقية في الرقم وحده؛ تكمن في هذا الاعتراف المتجدد بفنان سبق زمنه، وفتح أمام التشكيل المغربي أفقا أكثر جرأة وعمقا. فبعد عقود من رحيله، ما تزال أعماله تؤكد أن الفن الأصيل لا يشيخ، وأن الرؤية الصادقة تستطيع عبور الزمن والحدود.

ترك أحمد الشرقاوي درسا جماليا بديعا: الهوية ليست قيدا على المبدع؛ إنها منبع واسع للابتكار. والعلامة البسيطة، حين يلتقطها فنان كبير، قد تختزن ذاكرة شعب بأكمله، وتحملها إلى العالم في هيئة لون، وإيقاع، وجمال.

الحكاية الثانية: لمّا يرتدي الفرحُ جلدَهُ القديم

حين يهدأ صخب العيد، وتفرغ الأزقة من رائحة الذبح والتهاني، يخرج بوجلود من عمق الذاكرة المغربية كائنا احتفاليا غريبا، يلف جسده بجلود الأضاحي، ويحمل عصاه، ويجوب الشوارع محولا المكان إلى مسرح شعبي مفتوح. لا يظهر بوصفه شخصا عاديا، وإنما بوصفه فرجة متحركة توقظ الضحك والخوف والدهشة في آن واحد. في حضوره تختلط الطبول بالصراخ، والركض بالضحك، والرهبة بالمتعة. يهرب الأطفال منه وهم يتمنون أن يواصل مطاردتهم، ويبتسم الكبار كأنهم يستعيدون طفولتهم للحظات. هكذا يقلب بوجلود نظام الحياة اليومية: الوقار يتحول إلى مزاح، والشارع يصبح خشبة مسرح، والجمهور يشارك في صناعة الفرجة بدل الاكتفاء بمشاهدتها. قد يبدو بوجلود، من بعيد، رجلا يرتدي جلود الأضاحي، غير أن عمقه أكبر من مظهره. إنه طقس شعبي عريق يحمل بقايا أساطير قديمة، ويحفظ جزءا من الذاكرة الجماعية التي قاومت النسيان. في زمن الشاشات، حيث صار الفرح يقاس بعدد الإعجابات والمشاهدات، يأتي بوجلود ليذكر الناس بأن المتعة لا تحتاج إلى منصة رقمية ولا إلى تنظيم فاخر. يكفي زقاق ضيق، وإيقاع طبول مرتجلة، وأطفال يركضون، ووجوه مستعدة للضحك.

لذلك لا يمكن اختزال بوجلود في قناع أو جلد أو مطاردة عابرة. إنه ذاكرة تمشي في الشوارع، وكرنفال ساخر يخفف ثقل الأيام، ورسالة قديمة تقول للحاضر إن المجتمع الذي ما زال قادرا على الضحك من نفسه، والاحتفال بذاكرته، وخلق الفرح من أبسط الأشياء، ما زال محتفظا بروحه.

الحكاية الثالثة: ممرّات أمّ الربيع المُسْتقلَّة

بعد سنوات من انتظار مشاريع كبرى لفكّ العُزلة عن المواطنين، خرجت عبقريّة محلِّية بحَلّ ثوري غير مسبوق: فرض درهمين على كل من أراد عبور حفرة ماء. لا جسر، لا قنطرة، لا بنية تحتية، لا دراسة جدوى، فقط حفرة صنعتها الطبيعة، ثم جاء من اكتشف أنها منجم اقتصادي لا ينضب. يبدو أن الرّجل فهم ما لم تفهمه الحُكومات والبنوك الدولية: إذا لم تستطع امتلاك النهر، فامتلك الطريق إليه. درهمان فقط، قد تبدو المبالغ زهيدة، لكن الفكرة عظيمة. فكل خطوة أصبحت خاضعة للضريبة، وكل قطرة ماء صارت تمر عبر “مكتب الجبايات المائي”. وربما غداً سنرى لافتات جديدة:

“الجلوس قرب النهر: 1 درهم”.

” التقاط صورة: 3 دراهم”.

” التنفس في اتجاه أم الربيع: مجاني حالياً، إلى حين صدور مرسوم تنظيمي”.

أما عبارة “شكراً على تفهمكم” التي كتبت أسفل اللافتة، فهي قمة السخرية؛ كأن المواطن هو من طلب هذه الخدمة الممتازة، وكأن الوقوف وسط الماء وانتظار الإذن بالعبور أصبح امتيازاً سياحياً. ولو استمر الإبداع على هذا المنوال، فقد نسمع قريباً عن: “اشتراك شهري لعبور الوادي”؛ “بطاقة وفاء للزبائن الدائمين”؛ “تخفيضات خاصة للأطفال والمتقاعدين”؛ “مَمَرّ VIP بخمسة دراهم مع أولويّة العُبور”.

المشكلةُ ليست في الدِّرهمين، إنها في العقلية التي ترى في كلّ فضاء مُشترك فرصة للجِبَاية، وفي كل حاجة للنَّاس مشروعاً للرِّبح السّريع. أم الرّبيع، التي كانت نهراً للجميع، أصبحت عند البعض شركة مُساهمة برأسْمال: لوحٌ بلاستيكي، قلمٌ أسود، وجرأةٌ لا حُدود لَها.

لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

تابعوا آخر الأخبار من رصد 24 على WhatsApp

مقالات ذات صلة

المغرب وصكوك الغفران
الإثنين 8 يونيو 2026 - 19:17

المغرب وصكوك الغفران

الحدود القبلية للموت
الخميس 4 يونيو 2026 - 13:38

الحدود القبلية للموت

بوتين وروح بوشكين
الأحد 31 مايو 2026 - 08:32

بوتين وروح بوشكين

وحش اسمه بن غفير
السبت 23 مايو 2026 - 22:34

وحش اسمه بن غفير