الحدود القبلية للموت

الحدود القبلية للموت
الحدود القبلية للموت
رصد 24 الخميس 4 يونيو 2026 - 13:38 l عدد الزيارات : 3345

حين ضاق القبر بالعُقول

في أغبالو نكردوس، اكتشف المغاربة الأسبوع الماضي اختراعًا ثوريًا جديدًا: “الحُدود القَبلية للموت”؛ فبعد أن ظن الجميع أن الإنسان عندما يموت يتخلّص من مشاكل العقار والنزاعات القبلية والوثائق الإدارية، تبين أن الرحلة لم تنتهِ بعد، وأن المرحومة مطالبة أولًا بالحصول على تأشيرة دخول إلى المقبرة. الجثمان وصل، والأهل وصلوا، والكفن جاهز، والدعاء حاضر، لكن لجنة استقبال الموتى قررت أن الملف ناقص. فالمشكلة ليست في الموت، إنها في عنوان الموت؛ يبدو أن المرحومة أخطأت القبيلة التي اختارت أن تموت بالقرب منها.

مقبرة بنظام التأشيرة

ولأكثر من أربع وعشرين ساعة، بقيت امرأة متوفاة تنتظر قرارًا بشريًا يسمح لها بما حصل عليه ملايين البشر منذ آلاف السنين: حفرة في الأرض. المشهد كان سرياليًا إلى درجة أن المرء يتساءل: ماذا لو استيقظ الموتى القدامى من قبورهم؟ هل سيطالب بعضهم بإعادة فرز المقبرة حسب النسب والعِرق والانتماء القبلي؟ وهل ستنشأ قريبًا إدارة خاصّة بمُراقبة جينات الهياكل العظمية؟ الأكثر إثارة أن الأرض التي يتصارع حولها الأحياء لم يحمل منها أحد شيئًا إلى قبره، لكن بعض الناس ما زالوا يتصرّفون وكأنهم يملكون وكالة حصرية على التراب نفسه، ترابٌ جاءوا منه وسيعودون إليه. لقد نجحت الواقعة في تحقيق إنجاز نادر: جعلت الجثمان أكثر صبرًا من الأحياء. فبينما كانت المرحومة تنتظر الدفن بصمت، كان الأحياء يتجادلون حول من يملك بضعة أمتار من الأرض التي ستبتلعهم جميعًا في النهاية دون أن تسألهم عن قبائلهم. وإذا كان الموت أعظم مساواة عرفتها البشرية، فقد حاول البعض بكل اجتهاد أن يصنعوا فيه طبقية وقبلية أيضًا. وكأن الرسالة هي: مرحبًا بكم في الآخرة، لكن المرجو الوقوف في الصّفّ حسب الانتماء القبلي. لحسن الحظ انتهت القصة بالدفن، لكن الفضيحة بقيت مدفونة فوق الأرض لا تحتها. فالمشكلة لم تكن يومًا في المقبرة، وإنما في العقول التي ما زالت تعتقد أن قطعة أرض أوسع من الإنسانية، وأن الانتماء إلى قبيلة أهمّ من حُرمة ميّت.

عندما يصبح القبر قضية رأي عام

نعم؛ دُفنت المرحومة أخيرًا، لكن السؤال الحقيقي بقي واقفًا فوق التراب: كيف وصلنا إلى زمن يحتاج فيه الميّت إلى ترخيص غير معلن، وحراسة أمنية، ومفاوضات شاقة، فقط لينال حقه الأخير؟ حين يصبح الدفن معركة، فالمشكلة ليست في المقابر وحدها، وإنما في عقول ضاقت حتى غدتْ أضيق من حفرة قبر. الأحياء يتنازعون على التراب، والميّتة تحوّلت إلى شاهدة صامتة في مسرحٍ عبثيّ، عنوانه العريض: من يملك الحقّ في أن يُدفن فوق من؟ كأنّ القبر لم يعد مكانًا للسّكينة، وإنما أصبح عقارًا عائليًا معروضًا للمُزايدة، تُقاس فيه القرابة بالمسافة، والرحمة بالسنتيمتر، والحقّ بمن يرفع صوته أكثر. والأطرف، أو بالأحرى الأشدّ مرارة، أنّ الجميع يتكلّم باسم الوفاء، لكنّ الوفاء المسكين لم يُستدعَ أصلًا إلى الجلسة؛ حضر فقط نزاع الملكية، وحضر معه ذلك النوع الفاخر من الحُزن الذي لا يبكي الميِّتَ، وإنما يفتّش تحت التراب عن حصّته. هكذا، بدل أن يكون القبر نهاية الخصومة، أضحى بدايتها الرسمية؛ هناك حيث سكتت الميتة إلى الأبد، بدأ الأحياء يشرحون لنا، بجدّية مُذهلة، كيف يمكن للإنسان أن يفقِدَ حياءه وهو يطالب بمكانٍ قرب من فقَدَ حياته.

في تلك اللحظة لم تعد المقبرة مكانًا لراحة الموتى، ذلك أنها تحولت إلى ما يشبه مجلسًا عَقاريًا مفتوحًا. الفرق الوحيد أن الزبون هذه المرة كان جثمانًا لا يستطيع الاعتراض على الشروط ولا التفاوض على الثمن. والأشد مرارة أن الواقعة كشفت هشاشة المسافة بين الحضارة والغريزة. فنحن نبني الطرق والسدود والإدارات ونرفع شعارات الحداثة والتنمية، ثم تأتي لحظة دفن امرأة لتذكرنا أن بعض العقليات ما زالت تُدير العالم بمنطق القُرون الغابرة: “هذه أرضنا، حتى الموت فيها يحتاج إلى إذْن”؛ كأن التاريخ دارَ دورة كاملة ليعيد إلينا سؤالًا كان ينبغي أن يكون محسومًا منذ زمن: هل الإنسان مواطن أم تابع لقبيلة؟ وهل القبر حق إنساني أم امتياز تمنحه جماعة وتمنعه متى شاءت؟

القبر لمن استطاع إليه نسَبًا

والحقيقة أن المقبرة تقدّمُ لنا درسًا فلسفيًا قاسيًا؛ فالأحياء الذين يتقاتلون على بضعة أمتار من التراب ينسون أنهم جميعًا متجهون إلى المصير نفسه. الموت، ذلك الموظف الصَّارم، لا يطلب شجرة نسب، ولا بطاقة انتماء، ولا شهادة إثبات الأصل. إنه أكثر عدلًا من كثير من الأحياء. ولعل أكثر ما يثير السخرية أن القبر، الذي يُفترض أن يكون نهاية كل نزاع، تحول هو نفسه إلى موضوع نزاع. حتى الموت لم يعد قادرًا على إيقاف الخصومات، وكأن القبيلة قررت أخيرًا أن تحمل خلافاتها معها إلى آخر محطة في الرِّحلة.

انتهت مراسم الدَّفن، لكن الواقعة تركت خلفها سؤالًا ثقيلًا: إذا كنا لم نتّفق بعد على حقّ إنسان ميت في حفرة من التّراب، فكيف سنُدير القَضايا الأكبر التي تتطلب عقلًا أوسع وقلبًا أكثر رحابة؟ لقد انتهت مراسم الدفن، لكن الفضيحة الحقيقية لم تُدفن مع الجثمان. فهي ما تزال تتجول بين الناس سؤالا آخر مُحْرجا: كيف استطاع بعض الأحياء أن يجعلوا الطريق إلى القبر أطول من الحياة نفسها؟ وكيف تحوّلت حفرة في الأرض إلى قضية تحتاج إلى اعْتصام ووساطات وتطويق أمني، بينما كان المطلوب في الأصل مجرد قليل من الرَّحمة وكثيرٍ من العَقل؟

يعلم الجميع أن المقابر لا تحتفظ بألقاب أصحابها. بعد سنوات قليلة تختفي الأسماء، وتتآكل الشَّواهد، ويختلط التراب بالتّراب، فلا يبقى للقبيلة ولا للعائلة ولا للجاه أيّ امتياز. الموت يساوي بين الجميع في النهاية، لكن بعض الأحياء يصرون على مقاومة هذه الحقيقة حتى اللَّحظة الأخيرة.

كأن هناك من أراد أن يلقّن الموت نفسه درسًا في الحدود والانتماءات؛ وكأن مَلَك الموت مطالب، قبل قبض الأرواح، بمراجعة خرائط النُّفوذ المحلي والتّأكد من أن كل رُوح ستغادر وفق المسطرة القبَلية المعمول بها. ولو كان التراب قادرًا على الكلام، لربما انفجر ضاحكًا من هذا المشهد. فمنذ آلاف السنين وهو يستقبل الجميع بدون استثناء: الفقير والغني، القوي والضعيف، الشريف والمهمش. لم يسأل أحدًا من أين جاء، ولا إلى أي قبيلة ينتمي، ولا من أي دوار قدم؛ وحدهم بعضُ الأحياء وجدوا أنفسهم أكثر تشددًا من الأرض نفسها.

لعلّ المأساة في جوهرها ليست حادثة دفن بقدر ما هيَ لحظة كشفت حجم التّناقض الذي نعيشُه. نتحدث كثيرًا عن الأخوة والتكافل والتضامن، لكن الامتحان الحقيقي لهذه القيم يأتي في لحظات الضّعف والمصيبة. وهناك، بالضبط هناك، تظهر الحقيقة عارية من كل الشِّعارات.

الطّريق الطويل إلى حفرة قَصيرة

لقد ربحت المرحومة قبرًا في النهاية، لكن المجتمع خسر فرصة ثمينة ليُبرهن على نُضجه. وربما لهذا السبب سيبقى هذا المشهد عالقًا في الذاكرة: ليس لأن امرأة مُنعت من الدفن لساعات، وإنما لأن بعض الناس نجحوا في تحويل أبسط حقوق الإنسان بعد موته إلى موضوع نزاع. والمفارقة الأخيرة أن الجميع في هذه القصة كان يبحث عن قطعة أرض، لكن لا أحد توقَّف ليسأل نفسه هذا السّؤال: ماذا لو أصبحنا يومًا نحن أصحاب الجُثمان المنتظر؟ ماذا لو جلس أبناؤنا قرب نُعوشنا يستمعون إلى النّقاش نفسه؟ عندها فقط سيُدرك المتخاصمُون أن الإنسان لا يحتاج في نهاية رحلته إلى أرض واسِعة، لعله يحتاجُ فقط إلى مُجتمع واسع القلب.

لم يعد القبر اختبارًا للميّت؛ أضحى امتحانًا للأحياء. فالمرحومة اجتازت الامتحان منذ اللحظة التي فارقت فيها الحياة، أمّا الذين بقوا خلفها، فما زالت أوراق امتحانهم مفتوحة، والمفارقة أنّ بعضهم يكتب سقوطه بحبرٍ من دموعٍ مُستعارة.

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

تابعوا آخر الأخبار من رصد 24 على WhatsApp

مقالات ذات صلة

بوتين وروح بوشكين
الأحد 31 مايو 2026 - 08:32

بوتين وروح بوشكين

وحش اسمه بن غفير
السبت 23 مايو 2026 - 22:34

وحش اسمه بن غفير

إيران التي يحكمها الجنرالات
الجمعة 22 مايو 2026 - 22:40

إيران التي يحكمها الجنرالات

الجيش والشرطة .. درع العرش والأمة
الخميس 14 مايو 2026 - 14:46

الجيش والشرطة .. درع العرش والأمة