باشرت إدارات ترابية في عمالات وأقاليم جهات الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، ومراكش-آسفي، وطنجة-تطوان-الحسيمة، بتوجيهات من المصالح المركزية بوزارة الداخلية، عمليات تدقيق معمقة في ملفات مرتبطة بالتسلم النهائي (La réception définitive) لصفقات عمومية تخص مشاريع البنية التحتية والطرق والإنارة، وذلك على خلفية شكايات وتظلمات توصلت بها بشأن تأخر تسوية مستحقات مقاولات وشركات منفذة للأشغال.
وأفادت مصادر عليمة رصد 24 بتزايد قلق سلطة الوصاية من تنامي ظاهرة التلاعب بمساطر التسلم، بوصفها ذريعة للمماطلة في أداء الحقوق المالية لمتعاقدين مع جماعات ترابية، في قطاع بات يرزح تحت ضغوط متراكمة، موضحة أن النتائج الأولية لمهام التدقيق الجارية رصدت اختلالات جوهرية في مساطر التسلم المؤقت والنهائي لأوراش، بينها توجيه مراسلات بشأن عيوب الأشغال خلال مراحل تجاوزت آجال الضمان القانونية المحددة، وهو ما أسقط حق جماعات في المطالبة بتصحيح الاختلالات من الجهات المنفذة.
وأكدت المصادر ذاتها أن الاختلالات المشار إليها حرمت جماعات من أوراق ضغط قانونية كان بالإمكان توظيفها في مسار التفاوض والمتابعة، ما كشف عن خلل في ضبط الآجال الإجرائية داخل إدارات جماعية، سواء تعلق الأمر بغياب آليات التتبع أو بالتقصير المتعمد من قبل بعض المسؤولين.
وشددت المصادر على امتداد الاختلالات المرصودة إلى تركيبة لجان المعاينة والتأشير على التسلم، حيث كشف التدقيق في التوقيعات على محاضر المعاينة أن أسماء عدد من المسؤولين المدرجين فيها لا تتوفر على الخبرة التقنية اللازمة، ولا صلة لها بطبيعة المشاريع أو الأوراش موضوع الصفقات.
وبرز هذا المعطى بشكل جلي من خلال المراسلات المتبادلة بين هؤلاء المسؤولين والشركات والمقاولين حول عيوب تقنية ونواقص في التجهيزات، وهي مراسلات كشفت أن من وقعوا على محاضر التسلم لم يكونوا مؤهلين أصلا للبت في مدى مطابقة الأشغال للمواصفات المتفق عليها.
وكشفت المصادر نفسها عن تمحور مهام التدقيق الجارية كذلك حول شبهات تضمين محاضر تقنية معطيات غير دقيقة من قبل مسؤولين جماعيين، بهدف المماطلة في تسوية المستحقات المالية للمقاولات، وإيجاد مسوغات إجرائية للتهرب من الالتزامات التعاقدية، ما تسبب في أضرار وخسائر مادية جسيمة لشركات الأشغال والتجهيز.
وتأتي هذه التحركات في سياق تصاعد حدة النزاعات القانونية والقضائية التي تورطت فيها مقاولات البناء والأشغال العمومية منذ تفشي جائحة كورونا واندلاع موجات التضخم، جراء ارتفاع تكاليف المواد الأولية والعمالة، وتشديد آجال تنفيذ المشاريع.
وقد فاقم من هشاشة هذه المقاولات تأخر الجماعات الترابية في تسوية مستحقاتها، لا سيما حين تُستخدم مساطر التسلم أداةً للضغط أو التأجيل، مما يضعها أمام استحقاقات بنكية وضريبية لا تتوفر على السيولة الكافية للوفاء بها، وهو ما انعكس في تصاعد وتيرة الشكايات الواردة على اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية.
وامتدت الأبحاث أيضا، حسب مصادر الجريدة، إلى مضامين دفاتر الشروط الخاصة ببعض الصفقات، للتحقق من مدى احترامها للمقتضيات القانونية والتنظيمية، بعد إسقاط فترات الضمان من بعضها، وإدراج شروط ملتبسة توسع صلاحيات الجهة صاحبة المشروع عند البت في قبول أو رفض تسلم الأشغال، ما يفتح الباب أمام تأويلات تعسفية على حساب المتعاقدين.



