مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة عاد ملف الطريق السيار أو السريع بجهة درعة تافيلالت ليتصدر واجهة النقاش العمومي.
مطالب الساكنة والفعاليات المدنية والاقتصادية ترتفع من جديد، وهي ترفع شعار فك العزلة عن أقاليم ورزازات والرشيدية وتنغير وزاكورة وميدلت، لكن الصوت هذه المرة أعلى لأن الرهان السياسي قريب، والوعود السابقة مازالت حبرا على ورق.
“كفى من التهميش” عبارة تتردد اليوم في كل اللقاءات والدواوير والأسواق الأسبوعية، مواطنون يعتبرون أن غياب طريق سيار يربط الجهة بباقي أقطاب المملكة كلفهم عقودا من التأخر التنموي، ومستثمرون انسحبوا، وسياح اختصروا الطريق، ومرضى دفعوا الثمن في سيارات إسعاف تقطع مسافات طويلة على طرق خطيرة ومنعرجات قاتلة، فيما تعيد الانتخابات الأمل للكثيرين.
جهة درعة تافيلالت، بوابة الصحراء الشرقية المغربية وخزان السياحة والطاقة والفلاحة، مازالت خارج شبكة الطرق السيارة الوطنية. أرقام حوادث السير في محور تيشكا ومداخل تنغير وميدلت والرشيدية وورزازات وزاكورة تدمي القلوب كل سنة، فيما تدق الفعاليات الجمعوية ناقوس الخطر، ويجمع المنتخبون المحليون على أن الطريق السريع ليس ترفا، بل هو شرط أساسي للعدالة المجالية.
تمتد جهة درعة تافيلالت على مساحة شاسعة تفوق 88 ألف كيلومتر مربع، وتضم خمسة أقاليم حيوية، تزخر بمؤهلات سياحية عالمية، مثل مضايق تودغى ودادس واستوديوهات ورزازات، إضافة إلى مشاريع الطاقة الشمسية الكبرى، وواحات الرشيدية وزاكورة؛ ورغم ذلك يبقى التنقل عبر الطريق الوطنية رقم 9 أو رقم 10 أو رقم 13 مغامرة محفوفة بالمخاطر، خاصة في فصل الشتاء.
“نحتاج أربع ساعات للوصول إلى مراكش في أحسن الأحوال”، يقول أحد سائقي سيارات الأجرة بورزازات، مضيفا أن “هذا التأخر ينعكس مباشرة على الخدمات الصحية، إذ يتم نقل الحالات المستعجلة إلى مراكش أو فاس في ظروف صعبة، كما أن الطلبة والتجار يعانون من طول المسافة وكلفة النقل، ما يعمق الفوارق المجالية بين الجهة وباقي مناطق المغرب”.
الجمعيات التنموية بالجهة أطلقت حملات ترافعية متتالية تحت عنوان “الطريق السيار حق وليس مطلبا”. وأورد الفاعل الجمعوي محمد الحميدي من الرشيدية أن “كل برنامج انتخابي يتحدث عن فك العزلة، لكن بعد النتائج يختفي المشروع”، مضيفا: “الساكنة اليوم واعية ولن تقبل وعودا فارغة، وستعاقب أصحاب الوعود الكاذبة في صناديق الاقتراع”، وزاد أن “التنسيقيات المحلية تستعد لرفع مذكرات مطلبية للأحزاب قبل بدء الحملة الرسمية”.
مسؤول في وزارة التجهيز والماء، فضل عدم ذكر اسمه للعموم، أوضح أن إنجاز طريق سيار من مراكش نحو ورزازات ثم الرشيدية ممكن تقنيا، لكنه يتطلب إرادة سياسية وتمويلات ضخمة، مردفا: “المقطع الجبلي عبر تيشكا هو الأصعب والأغلى، لكن البدائل موجودة عبر أنفاق أو مسارات جديدة، والكلفة عالية نعم، لكن كلفة العزلة أعلى على المدى البعيد”.
عدد من رؤساء الجماعات الترابية بجهة درعة تافيلالت صرحوا لرصد 24 بأن المجالس المنتخبة راسلت وزارة التجهيز والماء أكثر من مرة، بخصوص غياب ولو متر واحد من الطريق السريع أو الطريق السيار بالجهة، دون أن يتلقوا أي جواب من الوزارة المعنية، مضيفين أنهم يعرفون أن المشروع مكلف، لكن يمكن البدء بمقطع سريع من ميدلت إلى الرشيدية، ثم تعميمه تدريجيا. “سكان الجهة لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون بداية جدية”، يقول رئيس جماعة منتم إلى حزب الاستقلال، الذي يتولى حقيبة التجهيز والماء.
مهنيو السياحة بورزازات وزاكورة وتنغير والرشيدية يعتبرون أن الطريق السيار سيضاعف عدد الوافدين على المنطقة. وفي هذا الإطار يقول عبد الصمد موعنى، مدير وحدة فندقية بإقليم الرشيدية: “السائح الأجنبي يتفادى ساعات طويلة في منعرجات تيشكا للوصول إلى مرزوكة أو مضايق تودغى”، متابعا بأن “طريقا آمنة وسريعة تعني ليالي مبيت أكثر، وفرص شغل مباشرة وغير مباشرة”، ومؤكدا أن الاستثمار في الطريق هو استثمار في التشغيل، وهو رأي يتقاسمه منتجو التمور والمنتجات الفلاحية.
من جهته كشف موحى أغبال، فاعل حقوقي من مدينة ورزازات، أن ساكنة الجهة تقارن وضعها بجهات استفادت من الطريق السيار خلال العقدين الأخيرين، مثل محور فاس وجدة أو أكادير مراكش، متسائلا: “لماذا تبقى درعة تافيلالت استثناء؟”، وموردا أن “هذا الشعور بالحيف يغذي النقاش السياسي الحالي، ويجعل ملف الطريق السيار ورقة ضغط انتخابية بامتياز”.
ومع بداية التحركات الحزبية استعدادا للتشريعيات عادت الوعود بالطريق السيار إلى خطابات بعض المرشحين. الساكنة تراقب وتسجل، وتطالب بجدول زمني واضح وميزانية مرصودة، لا شعارات فقط، إذ يقول الناشط الجمعوي جمال سلواني: “نريد التزاما موقعا أمام المغاربة وليس كلام حملات انتخابية”.
كما أن مطلب الطريق السيار أو السريع بجهة درعة تافيلالت تجاوز اليوم سقف المطلب المحلي ليصبح قضية عدالة مجالية، حسب تصريحات عدد من الشباب بالجهة، مؤكدين أن الانتخابات المقبلة تشكل اختبارا حقيقيا لمدى جدية الفاعل السياسي في التعاطي مع أولويات الجهة، وأن المواطنين ينتظرون أفعالا، فيما بدأ الزمن السياسي يضيق، ومتسائلين: هل تكون 2026 سنة إعلان بداية الأشغال، أم سنة أخرى من التأجيل؟ الكرة الآن في ملعب صانعي القرار، وفق تعبيرهم.



