روايات المغربي سباطة .. أدب حديث "متشظّ وممتع" ومتاهات نوعية للسرد

روايات المغربي سباطة .. أدب حديث "متشظّ وممتع" ومتاهات نوعية للسرد
روايات المغربي سباطة .. أدب حديث "متشظّ وممتع" ومتاهات نوعية للسرد
رصد 24 السبت 13 يونيو 2026 - 03:00 l عدد الزيارات : 3034

بعيون نقدية متنوعة قرأ متخصصون في التاريخ والأدب والسرد روايات المغربي عبد المجيد سباطة، الذي توّج بجائزة المغرب للكتاب، والذي بلغت رواية له القائمة القصيرة لجائزة “بوكر العربية”، وروايتان القائمة الطويلة لأبرز جوائز الرواية المكتوبة باللغة العربية.

اللقاء الذي نظمته جمعية رباط الكتب بمركز تواصل الثقافات بالرباط، اهتم فيه المؤرخ عبد الأحد السبتي برواية “في متاهات الأستاذ ف.ن”، قائلا إنه قرأها “تحت تأثير جاذبية المتاهة وتحدي الخروج منها”، مردفا أنه وجد نفسه مع “إضافة نوعية للمشهد الروائي المغربي” و”أمام نص متعب وممتع وملهم” حيث كان “لا بد لمجهود القراءة أن يتناسب مع مجهود التقصي والتأليف”.

وأضاف: “تبدأ الرواية بمناخ الرواية البوليسية، والتحقيق بمقتل أستاذ جامعي (…) وتستمر فسيفساء دون سارد مركزي، بل أصوات متعارضة، مع استعمال آلية التبئير السردي (…) ونجد فسيفساء نصوص، وأمكنة متعددة، وأزمنة متنوعة… وهي نصوص يمكن تصنيفها وفق التصنيف المتداول لدى المؤرخين هو التمييز بين النصوص السردية ونصوص الأرشيف، وهو أرشيف تخييلي دقيق”.

في هذه الرواية لا يوجد “تطور خطي، أو تسلسل، ويمكن للقارئ أن يعيد القراءة بناء على مزاجه وفضوله (…) والخيط الرابط الوحيد الذي فيه تلميح هو موضوع المخطوطات في العصر الوسيط، التي تهرب وتضيع وتسرقها دولةٌ”.

ويعترف عضو أكاديمية المملكة المغربية بأنه “شيئا فشيئا تخلص من هاجس الخروج من المتاهة أو المتاهات، وتكونت لديه رغبة إنجاز قراءة تهتم بتفكيك بناء رواية، أو هندستها”.

وتوقف السبتي عند “الأدب الكلاسيكي” في الرواية التي يحضر فيها “أطروحة، وخيطا ناظما”؛ فهذا الأدب “يمنح فرصة التمهل والتقاط الأنفاس، والانتفاع من خزان التجارب الإنسانية. وهو بوصلة لتوجيهنا في الحاضر المربك”، كما أن “بنية الدرس الجامعي بنية ناظمة في الكتاب، فلا توجد فصول، بل محاضرات عددها 14.

وكل محاضرة تبدأ بفقرة مقتطفة من عمل أدبي كلاسيكي، لكافكا، شكسبير، ابن طفيل، فوكنر، توماس مان، سيرفانتس، هوميروس، ستاندال، ستيفان سفيل، منيف، الحريري، بودلير، أغاثا كريستي…

وفي العمل يقترح صاحب الرواية “معجما موجزا لعدد من المصطلحات سماها تعريفات، وتتصل بالدوافع والقيم”، ومع كل كلمة يجد القارئ “المعنى اللغوي والمعنى الواقعي، كأن المعنى اللغوي قناع، والمعنى الواقعي هو السلوك الملموس”، وهذه المفاهيم “عنصر مركزي في ما يريد إيصاله صاحب الرواية، بالمفارقة بين اللغة والواقع، أي الواجهة وما وراءها: في الحرية، والوفاء، والحظ، والسلطة، والشرف… وغيرها”.

ويقدر المؤرخ أن المفارقة في الرواية هي “توصلنا إلى ما قرأناه في بداية الرواية من استجواب (…) وفيها معطيات يرميها المؤلف في البداية ولا ينتبه لها القارئ (…) أي التواطؤ، والصفقات المشبوهة (…) وتهريب الوثائق (…) حيث تبقى جوانب من تاريخ بلدنا مرمية في رفوف منسية، فيأتي من يستغلها ويبيعها في بورصة بعيدة عن الأنظار”.

أما مليكة معطاوي، باحثة الكاتبة العامة لجمعية رياض الكتب، فاختارت رواية سباطة “ساعة الصفر” وتحدثت من خلالها عن “انفتاح الرواية المغربية المعاصرة على فضاءات جغرافية وتاريخية مغايرة، لمساءلة الوجود الإنساني”، مردفة: “تبرز هذه الرواية علامة فارقة في المتخيل السردي المغربي والعربي، متخذة من حرب البلقان وحصار سراييفو مرآة سيميائية تعكس انكسارات الإنسان العربي المعاصر بين حدود الشرق وجدران الغرب السياسية”، طارحة “جدلية صراع الهوية، والتمزق الثقافي”، مع “توظيف المذكرات وثيقة إدانة ضد العنف التاريخي”.

الرواية التي تضبط منذ عنوانها الساعة على الصفر، تتخذ من مكانها البوسنة والهرسك، تزامنا مع استعدادات حرب البلقان، وتهتم بـ”مذكرات ممزقة ومحاولة تجديد لها لفهم هوية صاحبها”، مع ربط بين أربع جغرافيات ووثائق مختلفة، مجزرة وهران بالجزائر، مرورا بفرنسا ومعاناة المهاجرين العرب والتمزقات النفسية، وملامح من واقع المجتمع المغربي بتزامن مع أحداث حرب الصحراء قبل وقف إطلاق النار، وحرب البلقان التي شهد عليها الطبيب الجراح صاحب المذكرات، الذي عاش شرخا بين أصوله العربية وهويته الأوروبية، وبين الإسلام والمسيحية أيضا؛ مما يجعله يبحث عن “الانتماء الحقيقي” والتخلص من الاغتراب النفسي، وجواب من يكون.

وترى الباحثة أن المهنة في حد ذاتها ومن يمتهنها تعكس “التمزق الإنساني”؛ فـ”الجراح الذي يداوي آلام الآخرين، يعجز عن رتق جروح هويته النازفة”.

وفي الرواية ينتقل الجراح “من ملاحظ هارب من ماضيه، إلى منخرط في مأساة إنسانية كبرى، يجد فيها معادلا لآلامه الداخلية”، قبل أن تنتهي “رحلة تيه طويلة، مع تلاشي كل الفوارق العرقية والدينية داخل التراب”.

في هذه الرواية، كما توضح معطاوي، “حجب اسم السارد المركزي في محطات من النص، في معادل موضوعي لضياع الهوية الرسمية، وعكس لوعيه الشقي”، كما أن العمل يحمل “نقد المؤسسات الدولية المتحولة إلى شاهد زور أمام المأساة الإنسانية”، وتوقفا عند “رصاصة الهوية الثقافية في البلقان، التي تصيب الإنسانية جمعاء”.

وترى الباحثة أن الرواية نجحت في “تفكيك خطابات الهوية الإثنية، دون وقوف عند السوداوية فقط، بل امتدت إلى استشراف المستقبل، مع مساعدة شعب البوسنة المغتصب. فكان إنقاذ الطفلة من الاغتصاب والانتهاكات الممكنة، إعادة تعريف للسارد الذي كان فاقدا لهويته، وكانت بوابة عبوره النورانية (…) ورمزية مكثفة لأفق إنساني رحب”.

وبالتالي “(ساعة الصفر) ليست نهاية مأساوية فقط، بل نقطة انطلاق زمنية وفلسفية حتمية لإعادة بناء الهوية الإنسانية المتحررة من قيود العرق والطائفة”.

من جهته، اهتم سعيد الحنصالي، أستاذ جامعي ومترجم، برواية “الملف 42”، التي “ليست رواية عن وثائق تقود إلى اليقين، بل تجعل الوثيقة نفسها موضعا للشك”، حيث تستعمل الوثائق لا لتدعيم الحكاية بل لتقويض الثقة فيها، ولجعلها أدوات للتفكير في الحقيقة، وما تحجبه الوثيقة وهي تدعي الكشف، وما يحجبه مؤرشفها حين اختار صيغة ترتيبها.

هكذا، يجد القارئ في الرواية “هشاشة تطال الوثائق شيئا فشيئا”، كما يجد “تحولات الكتابة داخل منطق السوق” حين تصير “التزاما موجها بشروط الربح والآجال، بثمن مسبق، وكشف اقتصاد يضغط على الخيال، وعلاقة يمكن أن ترتبط بالمحاسبة”، وتبرز “القيمة الأدبية، التي يمكن منحها وحجبها حسب مواقع السلطة الرمزية (…) مثل الجامعة والناشر… ومن لهم سلطة تحديد النص الجدير بالدراسة وغير الجدير بها”.

ومن بين ما تهتم به الرواية “ما يحيط بفعل الكتابة نفسه من خوف وتعثر وضغط مادي ورمزي”، ويقدر الحنصالي أن فيها “تمرينا ممتازا بعنونة فصول بأسماء روايات أخرى”، مع سؤال الرواية عن ذاتها، وكيف يولد الموضوع، وروح التعقيد، التي تقاوم الاختزال مهما بدا الموضوع يسيرا للكتابة خارجيا.

ووقف المتحدث عند “الفصل 0 في الرواية”، معتبرا إياه “موقفا من السرد، ومساحة تسبق الرواية، وليس فراغا بل عتبة كثيفة يجتمع فيها عجز الكاتب وخوفه ومساحة كتابته وسؤاله عن جدوى ما يكتب؛ فنرى الكتابة وهي تتشكل وثيقة قلقة، وسوقا قد يحول الإبداع إلى سلعة (…) فتكتب الرواية سؤالها قبل أن تكتب حكايتها”.

بدوره، تحدث الناقد سعيد الفلاق، مسير اللقاء، عن عبد المجيد سباطة الذي “استطاع أن يكرس نفسه كاتبا ينتمي إلى الجيل الجديد الذي يكتب الأدب العربي، في المشهد الثقافي المغربي والعربي، بأعمال أدبية وترجمات حظيت بإقبال كبير من لدن القراء والباحثين”.

وفي تعليق الروائي عبد المجيد سباطة، أقر بأن “تصوره للكتابة غير خطي، ومتشظّ”، ثم استرسل قائلا: “أثناء الكتابة هناك جانب واع يحضر له الكاتب، من تحضير مسبق وبناء هندسي، وهناك بالتأكيد جانب غير واع لا ينتبه له الكاتب والمؤلف أثناء الكتابة”، ومهما حرص يبقى “قلق وجودي مرتبط بمواضيع معينة عند كل كاتب، وهو ما يبقى حاضرا في مختلف كتاباته”.

تابعوا آخر الأخبار من رصد 24 على WhatsApp

مقالات ذات صلة

مغنّ جزائري يسطو على لحن لـ"ريدوان"
السبت 13 يونيو 2026 - 08:18

مغنّ جزائري يسطو على لحن لـ"ريدوان"

"ديزي دروس" يحصد جائزة بريطانية
السبت 13 يونيو 2026 - 07:12

"ديزي دروس" يحصد جائزة بريطانية

"7 دوجز" يشعل حماس عشاق الأكشن
السبت 13 يونيو 2026 - 02:19

"7 دوجز" يشعل حماس عشاق الأكشن

ابن رشد يتوج مركز الذاكرة المشتركة
السبت 13 يونيو 2026 - 00:11

ابن رشد يتوج مركز الذاكرة المشتركة