حين يصعد الموت إلى الخشبة
كيف يمكن لصوتٍ غادر الحياة أن يعود ليشعل حفلة كاملة؟ كيف يتحوّل الغياب إلى عرضٍ ضوئيّ تبيع الشركات تذاكره بأعلى الأسعار؟ ومن يقف فعلًا فوق الخشبة: الفنان الذي رحل، أم فريق البرمجة، أم الشركة التي امتلكت حقوق صورته وصوته بعد الموت؟ هل نحن أمام تكريمٍ فنيّ يمدّد ذاكرة الجمهور، أم أمام تجارةٍ باردة تستثمر الحنين وتحوّل الفقد إلى منتج؟ وهل يصفّق الحاضرون للمطرب كما كان، أم لنسخةٍ رقمية صمّمها تقنيون وأدارتها عقودٌ قانونية؟ أين تنتهي حدود الوفاء للفنان، وأين تبدأ صناعة الوَهْم؟ وهل يمنح الهولوغرام للموتى حياةً ثانية، أم يَسْلبهم حقّهم الأخير في الصَّمْت؟
أكتب هذا الحديث بعدما قرّرت التّقنية أن المقابر لا تكفي، وأن الفنان الراحل لا يملك ترف الراحة حتى بعد أن أسدل الموت ستاره الأخير. أصبحَ الموت، بفضل الهولوغرام، مجرّد استراحة قصيرة بين حفلتين؛ يغادر الفنان الحياةَ، ثم تُعيده شركة ما في نسخة لامعة، مضبوطة الإضاءة. يا لها من معجزة معاصرة: لم ننتصر على الموت، وإنما وجدنا طريقة أنيقة لاسْتثماره، حينَ نبيعُ الغياب بتذاكر مُمتازة، وصُفوف أمامية، وباقَةَ حَنينٍ مدفوعةَ الثَّمن؛ ويا لها من حَضارةٍ عظيمة: لم تهزم الموتَ، لكنَّها نجحت أخيرًا في جعله يعملُ بنظامِ الحَفلات.
تصفيقٌ للأشبَاح
هكذا، لم يكتفِ الهُولوغْرام بإعادة الفنان إلى المسرح، وإنما أعاد تعريف الموت نفسه. صار الموت مجرد عطل تقني يمكن تجاوزه بدقة صورة عالية ومكبرات صوت عملاقة. يرحل الفنان، ثم تكتشف الشركات أن “الجُثّة التّجارية” ما تزال قادرة على الرَّقص وتحقيق الأرباح. لا حاجة إلى نبض، يكفي عقد قانوني جيِّد وخوارزمية تتقن تحريك الكتفين تحت الأضواء. في الماضي كان الجمهور يبكي لأن الفنان لن يعود.
اليوم يبكي لأن تذكرة الصف الأول باهظة جدًا لرؤية شبح ثلاثي الأبعاد يؤدي أغنية عمرها أربعون سنة. المفارقة أن الجمهور يعرف تمامًا أن من يقف أمامه ليس الإنسان الذي أحبّه، ومع ذلك يصفق بحماس يشبه التّصفيق داخل جنازة إلكترونية فاخِرة. الجميع يشارك في الكذبة عن طيب خاطر. لا يعيد الهُولوغرام الفَنّان، بقدر ما يعيد صورته بعد تَعقْيمها من التَّعب والشّيخوخة والانفعالات البَشرية؛ ذلك أنّ النسخة الرقمية لا تنسى الكَلمات، لا تغضب، لا تمرض، لا تطلب زيادة في الأجْر، ولا ترفضُ العقود المهينة؛ إنها الفنان المثالي بالنسبة لصِنَاعة التّرفيه: ميِّتٌ ومُطيعٌ. الغريبُ في الأمر أن بعض المعْجبين يتحدثون عن “الأداء الأسطوري للهولوغرام”، كأن ملفًا بصريًا امتلكَ فجأة روحًا فنِّية مُستقلة. يخرج الناس من الحفل وهُمْ يقولون إن الفنان “كان حاضرًا بيننا”. بينَنا فِعلًا؟ لو كان حاضرًا لربما رفع دعوى قضائية على هذا السِّيرك المُضيء الذي يبيعُ الحنين بالكِيلُووَاط.
من القَبْر إلى الصُّفوف الأمَامية
هكذا، تحوَّلت الحفلات الموسيقية إلى مَتاحف مُتحركة للنُّوستالجيا. لم يعدْ الجمهور يذهب ليستمع إلى شيء جَديد، وإنما ليستهلك ذاكِرتَهُ القديمة تحت مُؤثرات بَصرية. لم تعد التقنية تخدم الفنّ بقدر ما تخدم خَوف الإنسان من النِّهاية. أكادُ أزعم، تبعا لما سلف، أنّ العالم لا يحتملُ الحَديث عن فكرةِ الاخْتفاء، ولذلك يصنعُ نُسَخًا رقمية مِن كلِّ شيء: الوُجوه، الأصْوات، الذِّكريات، وحتّى الموْتَى. وربما سنصل قريبًا إلى مرحلة يصبح فيها الفنان الحي عبئًا غير ضروري، فلماذا تتعامل الشركات مع إنسان مُتقلب المزاج بينما يمكنها تشغيل نسخة رقمية لا تشيخ أبدًا؟ عندها سيصبح النجاح الحقيقي لأي فنان هو أن يموت في الوقت المناسب ليبدأ موسمه التجاري الأبَدي. فهل ما نراه انتصارٌ للتكنولوجيا أم إعلانُ إفلاس عاطفي؟ هل نحضر حفلات موسيقية فعلًا أم طقوسًا حديثة لعبادَة الصُّور؟ ومتى يدرك الجمهور أن التصفيق للهولوغرام ليس تحيّة لفنان راحل، وإنما تحية لقدرة السوق على استخراج الأرباح حتى من القبور؟
على هذا النحو، لم يكتفِ الهولوغرام بسرقة الموت من هيْبته، ذلك أنه سرق من الفنان حتى حقه في الصّمت الأبدي. في السابق كان الرحيل نهاية محترمة لمسيرة إنسانية مليئة بالتعب والانهيارات والأخطاء. أما اليوم، فقد يتحول الفنان بعد وفاته إلى “محتوى قابل للتحديث”، ويغدو المشهد أكثر عبثية عندما ترى جمهورًا يرفع الهواتف لتصوير شَبحٍ رقميّ يعرف مسبقًا أن تركيبه وإخراجه تمّ داخل حَاسوب. لم يعد الإنسان المعاصر يريد الحقيقة؛ يريد فقط عرضًا جيِّد الإخراج؛ حتى العاطفة نفسها صارت مؤثرًا بصريًا، فالدموع تنزل في توقيت مثالي، والدخان المسرحي يرتفع خلف وجه ميِّت منْذُ عشرين سنة، بينما الشَّاشة العملاقة تعرض ابتسامة مُصمَّمة بعناية هندسية تفوق عناية الأطباء بمرضى الإنْعاش.
جنازة إلكترونية بتذاكر فاخرة
الغريب في الأمر، أن هذه الحفلات تُقدَّم دائمًا باعتبارها “تكريمًا”؛ كلمة “التكريم” أصبحت من أكثر الكلمات تعرضًا للاستغلال التِّجاري بعد كلمة “الأصالة”. كلما أرادت شركة استخراج المال من ذاكرة شخص راحل أطلقت على العملية اسم التكريم، ثم باعت القمصان والأكواب والنسخ المحدودة من الحَنين؛ حتى فكرة “التفاعل مع الجمهور” صارت مَهزلة مُذهلة. يشيرُ الهولوغرام بيده إلى المدرجات، والجمهور يصرخ بجُنون، مع أن الجميع يعرفُ أن الإشارة نفسها ستتكرر بالحَركة ذاتها غدًا وبعدَ غد وفي كلِّ مدينة. إنها عفوية محفوظة مسبقًا داخل ملف رقمي، نوعٌ جديدٌ من المشاعر المُعلّبة الجاهزة للاستهلاك الجماهيري. وفي لحظة ما، يبدأ الواقع كله بالانحناء أمام هذا العبث. موسيقيون أحياء يتدربون لساعات طويلة كي يرافقوا فنانًا غير موجودٍ أصْلًا. عازف كَمَانٍ حقيقيّ ينسجم بإخلاص مع شخصية ضوْئية لا تَسمع الإيقاع ولا تَشعر بالتصفيق، كأن البشر صاروا يعملون موظفين لدَى الأشباح. ثم تظهر المقارنات السخيفة: “الهولوغرام أفضل من بعض الفنانين المعاصرين”. طبعًا أفضل، لأنه لا يملك حُرية الفَشل. النُّسخة الرقمية لا ترتبكُ، لا تتلعثمُ، لا تعاني أزمة نفسيّة، ولا ترفض الغناء عندما تكتشف أنها تُستعمل ماكينةً لتدوير الأرباح بعدَ موتها.
الموتى لا يعتزلون في زمن السُّوق
وربما لن يطول بنا الزمن حتى نرى الأحفاد يجلسون في قاعاتٍ مكتظّة لمشاهدة عشرين هولوغرامًا لفنانين ينتمون إلى قرونٍ متباعدة، يؤدّون معًا «ديو» لم يكن ممكنًا إلا في خيال السوق وهو يفتّش عن قبرٍ جديد يدرّ الأرباح. سيقف المذيع، بكل وقارٍ مصطنع، ليعلن أن البشرية حقّقت انتصارًا باهرًا للإبداع، بينما الحقيقة تقف خلفه ساخرةً تحت الأضواء: لم نبدع شيئًا عظيمًا، ولم نهزم الموت، ولم نمنح الفن خلودًا نبيلًا؛ كل ما فعلناه أننا علّمنا القبور كيف تبيع التذاكر، وأثبتنا، بجدارةٍ مُخيفة، أن هذا العالم فَقَدَ آخر آدابه: لم يعد يعرف كيف يترك أحدًا يرحلُ بسلام.
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.



