سرحان يحتفي بملوك الأهداف وصنّاع الفرح الأبدي.. من بنمبارك إلى النصيري

سرحان يحتفي بملوك الأهداف وصنّاع الفرح الأبدي.. من بنمبارك إلى النصيري
سرحان يحتفي بملوك الأهداف وصنّاع الفرح الأبدي.. من بنمبارك إلى النصيري
رصد 24 الإثنين 22 يونيو 2026 - 17:00 l عدد الزيارات : 2596

في مقاله الجديد “الهدّاف”، ضمن سلسلته التي تنشرها رصد 24 بعنوان “الدكتورة كرة القدم”، يأخذنا الكاتب والشاعر سعد سرحان في رحلة آسرة داخل سيرة أولئك الذين جعلوا من الشباك قدَرا شخصيا، ومن التسجيل لغةً خاصة تُقرأ بالأرقام كما تُحَسّ بالجمال.

نصّ سرحان أنيق يحتفي بالهدّافين عبر العالم، ومن بينهم المغاربة، قدامى وجدد، لا بوصفهم مجرد صنّاع انتصار، بل باعتبارهم شعراء المستطيل الأخضر وحرّاس ذاكرته الخالدة.

(الهدّاف)

كلّ عناصر كرة القدم من مراوغة وتمرير، وتمركز وتمويه، وقذف وافتكاك… إنّما هي، على جمالها وفرادتها أحيانًا، محض ذرائع في سبيل الهدف، فالهدف هو الهدف الرئيس من اللّعبة، وإليه يُحتكَم في تحديد الفوز ورفع الكأس وتقلّد الميداليات… لذلك، فالمهاجمون، والهدّافون منهم على الخصوص، يحظوْن في مجتمعها بوضع اعتباري دونه كلّ وضع، ينالون عنه الإشادة والتكريم والجوائز الذهب.

ليست صيغة المبالغة الصريحة وحدها ما يميّز الهدّاف عن زملائه، وإنّما أيضًا صيغة الجمع المُضمرة. فالهدّاف هو الاسم العائلي لعدد من أفذاذ اللّعبة الذين يغطّون مجمل تاريخها، لكلّ واحد منهم اسمه الشخصي ولقبه المستمدّ من أسلوبه في التهديف، وكذا المنافسة التي برز فيها بصفته تلك. فهدّاف الدوري غير هدّاف الكأس، وهدّاف المونديال غير هدّاف الموندياليتو، والأيمن سوى الأعسر، والبيلدوزر خلاف الهيلكوبتر…

يُقدّر عمر كرة القدم الحديثة بحواليْ قرنين من الزمن، أنجبت خلالهما آلافًا من الهدّافين، يصعب جرد أسمائهم، فأحرى الحديث عن منجزهم، خصوصًا وأنّ العديد منهم أتى ما أتى قبل أن يأتي التلفزيون الذي ضاعف بشكل كبير عدد مشاهدي اللّعبة خارج الملاعب، فلا يُعرف عنهم إلّا ما كُتب هنا وهناك ممّا هو الآن في عُهدة الأرشيفات التي لم تَدرس بعد.

في العقود الأخيرة التي عرفت بعضًا من رغد البثّ، سطع هدّافون من مختلف الكعوب، يُذكر الواحد منهم فلا يُذكّرك بسواه.

لجهة العدد، يعتبر كريستيانو رونالدو هو الأبرز على الإطلاق، فبزحفه نحو الألف هدف يكون، منذ الآن، قد حفر اسمه عميقًا بين عظماء اللّعبة لهذه الألفية. صاروخ ماديرا، وهذا هو لقب الفتى، إنّما هو صاروخ أرض- جوّ. ففضلًا عمّا يفعله في أرض الملعب، ارتقى في إحدى المرات عموديًّا فوق الجميع، لاعبينَ وتاريخًا، وسدّد نطحة لأعلى كتلة ممكنة من الهواء، فأردى الكرة في الشّباك كنيزك لطيف. وفي أخرى ارتقى أفقيًّا، وبمقصّية حادّة شذّب كثافة الأثير لتمرّ الكرة مخفورة بالعدم نحو ضالّتها المعلومة. وحسبُهُ هذان الهدفان ليتخلّد اسمه عاليًا في الملاعب.

لجهة النّجاعة، لست أرى أفضل من ماركو فان باستن، فالفتى الذي سجّل في أوّل ظهور له مع أجاكس بعد دخوله بديلًا للعظيم كرويف، سيثبت أنّه جدير بمواصلة المجد الهولندي في الملاعب العالمية. ولقد نجح حقًّا في ذلك أيّما نجاح، إذ كان يسجّل من كلّ الوضعيات، بما فيها تلك التي تبدو مستحيلة. ويكفي أن نذكّر بأنّ المجد الذي عرفه الميلان معه لم يتكرّر له مع غيره. ولو كان قد لعب في بطولة أخرى، لكان قد راكم مزيدًا من الذهب، كراتٍ وأحذيةً. ففي إيطاليا يحمل المدافعون سيقان المهاجمين على محمل الكسر، وذلك ما عجّل باعتزال هدّافنا الفريد وهو في ريعان العطاء.

لجهة الجسارة، يظهر رونالدو، كيف لا يفعل وهو الملقّب بالظاهرة؟ فالولد كان يعتقد أنّ التسجيل من خارج منطقة الجزاء مسٌّ صريحٌ بشجاعته. لذلك، كان لا يتورّع عن مراوغة آخر المدافعين، وكذلك يفعل بالحارس إذا سوّل له حدسُه الخروجَ إليه، قبل أن يودع الكرة في الشّباك. ولعلّ هدفيه في مرمى ألمانيا، في نهائي كأس العالم 2002، أن يشهدا على إقدامه، لا لأنّه سجّلهما على أوليفر كان الذي فاز تلك السنة بالكرة الذهبية للمسابقة كأوّل وآخر حارس يفعل، بل لأنّ كانْ هذا كانَ يبدو مرعبًا حتّى ليفضّل المرء أن يلقي عليه السلام من بعيد على أن يمدّ إليه يده. فكيف تجرّأ رونالدو على الدخول إلى عرين الرجل ووضع بيضتين سحريّتين فيه، فقستا للبرازيل كأسًا خامسة وميداليات شتّى؟

وبالعودة إلى الأرقام، سنقف عند إنجازات مدهشة، قد لا تتكرّر في القادم من العقود. فهذا ميسي سجّل وحده في سنة أكثر ممّا سجّلت كبريات الفرق الأوروبية بجميع نجومها. وهذا ليفاندوفسكي سجّل خمسة أهداف في تسع دقائق، مضيفًا بذلك واحدة أخرى إلى عجائب الدنيا. وإذا كانت هذه وتلك ممّا يدخل حقًّا في باب العجب، فإنّ باب العُجاب انفتح على مصراعيه أمام كريستيانو وزلاتان وسواريز، فدخلوه بعد أن رصّعوا، خلال مسيرتهم الكروية، كلّ دقائق المباراة بالأهداف.

قبل أكثر من قرن أنجب المغرب لكرة القدم أحد عظمائها، العربي بنمبارك، الذي فاز مع أتليتيكو مدريد بلقبين للدوري وكأس للسوبر الإسباني على سبيل الحصر، مثلما أهداها غير قليل من الأفذاذ كأقصبي وبلمحجوب وبطاش وسواهم ممّن صنعوا مجد فرنسا عقودًا قبل أن ينبري له النجوم من مختلف إفريقيا.

ولئن كان المغرب يعيش الآن نهضة كروية غير مسبوقة، فكبير الفضل في ذلك يعود إلى كوكبة من هدّافيه في مختلف المسابقات.

فيوسف النصيري هو حتّى الآن هدّاف العرب في كأس العالم، وسفيان رحيمي هو هدّاف الألعاب الأولمبية 2024، وياسر الزبيري هو هدّاف كأس العالم للشباب 2025، وياسين الصالحي هو هدّاف كأس العرب 2012، بستّة أهداف منها سوبر هاتريك في شباك اليمن صادر بها سعادته التاريخية، دون الحديث عن الكرة النسوية وداخل القاعة وكذا الفئات العمرية التي لا تقلّ بريقًا. فبهؤلاء، وبهؤلاء فقط، يستطيع المغرب أن يفاخر أترابه، لا في الحارات العربية وحدها، بل حتى في سواها من الحارات غير المتربة.

أمّا عبد الرزاق حمد الله، فسِرْبٌ وحدَه. فالولد غادر إلى النرويج في منتصف الموسم وهو هدّاف للدوري المغربي، فظلّ كذلك هنا وقد صار وصيفًا للهدّاف هناك. ثمّ انتقل من ثلج النرويج إلى نار التّنينْ، فتُوّج هدّافًا في الصينْ. فرحل إلى قطر ومنها إلى السعودية، فلعب مع أكثر من نادٍ، وما ارتدى قميصًا إلّا ورشح منه بعرق الهدّاف. ولأنّ الفتى من يقول هَأنذا، فقد قالها من علٍ وبصوت غير قابل للكتمان. ففي سنة 2019 تُوّج هدّافًا للعالم، متفوّقًا على ميسي وليفاندوفسكي ومبابي، مع أنّ هؤلاء كانوا يسجّلون مع منتخباتهم أيضًا، فيما كان المنتخب الوطني محرومًا من أهدافه.

الغريب في أمر حمد الله أنّه كان يقابل تجاهله هنا بتتويج نفسه بالكؤوس، كؤوس الشاي بما تحمله من رسائل مغربية فصيحة، فكان بذلك “الهدّاف وشرّاب أتاي”، مع الاعتذار لمن يعرف أصل العبارة. أمّا مدينة آسفي، حاضرة المحيط الطيّبة، التي تُبدّد الملل بإنجاب الشعراء، فحسبُها أن أنجبت للملاعب فحلًا ستُذكَر طويلًا أبياتُه العصماء.

بعيدًا عن الأرقام، قريبًا من الجمال، يُحسَب للمغرب هذا العام 2025-2026 أن يدرَج في جائزة بوشكاش لأجمل هدف، من خلال الهدف الباليستي الذي سجّله أسامة طنان على الأردن، وكذا الهدف السوريالي الذي سجّله لاعب المغرب الفاسي إدريس الجبلي على الوداد بطريقة الرابونا.

لكن،

هل سبق لأحدكم أن شاهد هدّافًا خارج الملعب والتلفزيون، أن جالسه، أن شرب معه قهوة…؟ قِلّة منكم فعلت. أمّا أنا فكان لي شرف مجالسة هدّاف النسخة الأولى من الدوري المغربي لكرة القدم، كما كنت شاهدًا على واقعة أطرف من أن تتكرّر.

ففي تسعينيات القرن الماضي، وفي مقهى ليلى بشارع فلسطين، كان يجلس بعضٌ من الرّعيل الأول للكوكب المراكشي: كريمو، الشاوي وعبد الغني… يلتحق بهم أحيانًا بعض من الأصغر سنًّا والأقلّ تاريخًا، فكنّا، نحن زبناء المقهى من خارج الميدان، نستفسرهم عن هذه المعلومة أو تلك، وإذا كان بيننا لَجُوجٌ، وغالبًا ما يكون، نحتكم إلى الحاج كريمو.

ذات مساء بارد، والمقهى مكتظّ عن آخره، فيما التلفزة مشغّلة على برنامج للمسابقات، فوجئ الحاج بمعظم من في المقهى وهم يشيرون إليه بصوت واحد: هَا هُوَ، هَا هُوَ. فقد كان الرجلُ، في جلبابه المراكشي يدخّن سيجارته ملء رئتيه عن شواردها، هو الجوابَ الحيَّ على سؤال البرنامج. وحين فهم الموضوع، أبدى تلك الابتسامة المطمئنة التي لا تصدر إلّا عن الرّاسخين في التواضع من الكبار. رحم الله الحاج عبد الكريم الزيداني، فهو هدّاف النسخة الأولى من الدوري الوطني، كما أنّه العميد الوحيد الذي رفع كأس العرش لثلاث سنوات متتالية. ولبرامج المسابقات، حيثما بُثّت، أن تسأل عمّن فعل ذلك غيره، وفي أيّ تاريخ وفي أيّ جغرافيا… يقينًا لن تحير جوابًا.

تابعوا آخر الأخبار من رصد 24 على WhatsApp

مقالات ذات صلة

جيبسي كينغ يعوض نيكي جام .. اسم عالمي يحفظ وهج موازين
الإثنين 22 يونيو 2026 - 18:57

جيبسي كينغ يعوض نيكي جام .. اسم عالمي يحفظ وهج موازين

حلقة نقاش بالرباط تستحضر السردية الإعلامية للسلام حول القدس الشريف
الإثنين 22 يونيو 2026 - 18:30

حلقة نقاش بالرباط تستحضر السردية الإعلامية للسلام حول القدس الشريف

عرض بصيغة الرحلة الفنية .. لمنور بتجربة مختلفة في "موازين 2026"
الأحد 21 يونيو 2026 - 22:30

عرض بصيغة الرحلة الفنية .. لمنور بتجربة مختلفة في "موازين 2026"

"جايلان" تعد بعرض غنائي استثنائي
الأحد 21 يونيو 2026 - 19:06

"جايلان" تعد بعرض غنائي استثنائي