سوق السباط بمدينة فاس .. ذاكرة حية للحرف والتجارة والتقاليد العريقة

سوق السباط بمدينة فاس .. ذاكرة حية للحرف والتجارة والتقاليد العريقة
سوق السباط بمدينة فاس .. ذاكرة حية للحرف والتجارة والتقاليد العريقة
رصد 24 الجمعة 5 يونيو 2026 - 04:00 l عدد الزيارات : 2706

ما إن يلج الوافد هذا السوق من إحدى بواباته الثلاث قادما من سوق العطارين حتى يشد ناظره ذلك البذخ الثر من الأوان المتلألئة الطافحة بالمعروضات الفنية الجلدية المسوغة بأياد ماهرة لا تعرف الملل. “بلاغي” رجالية وصبيانية و”شرابيل” و”ريحيات” نسائية ذهبية براقة وصفراء وحمراء ومزركشة وفي غير هذه الألوان، مصففة بعناية على طول واجهتي ممر السوق الضيق يمنة ويسرة، كزهور مرتبة بعناية في دكاكين صغيرة لا تزيد مساحتها أحيانا عن مترين طولا وعرضا، مبهجة وكأنها مزهريات ترزح تحت فيض ثر من الأضواء والألوان الآسرة تجتذب التملي بأشكالها السّخية بالتنوع.

كل هذا المنتجات المعروضة الثرة، المعدة لراحة الأقدام، لا تزاحمها في كل السوق منتجات غيرها؛ إنها تقص حكاية مراحل مرور مادة إبداعها الأولى من جلود المعز والبقر والخراف من محطات عديدة، امتدت لشهور متنقلة بين الفرت والدم والعفونة والروائح الكريهة وطبقات القلويات والماء والمواد الطبيعية والكيميائية، وورشات “خرازة”، لتتبوأ في النهاية مكانها في هذا المعرض التجاري اليومي (سوق السباط).

فجلود نشأتها الأولى وهي قادمة من المجازر تعبر الطريق إلى “اللباطة”، حيث يتم إخلاؤها من الشعر والصوف والوبر، ثم إلى الدباغة، وهي تغمس في قصريات الماء ثم إلى مجايير الجير، فإلى صهاريج التطهير من الشوائب، فإلى أحواض تفيض بألوان الدباغة، إلى أن تصير لينة قابلة للاستعمال، ثم تعلق: “على السطوح تتدلى ما حسبته أول وهلة بنفسجا أرجوانيا، غير أنه ما لبث أن كشف عن جلود وأصواف حيوانات مصبوغة تجف. تبدو وهي معلقة على أسوار وموانع المدينة ككروم كرز مزهرة، تتلألأ تحت الشمس”، هكذا وصفت هذه الجلود قبل مرحلة التصنيع الكاتبة الأمريكية أناييس نين، في زيارتها الثانية لفاس سنة 1966 في كتابها “أجمل الأحاسيس حول الرجل ومقالات أخرى”.

سوق بلا أحذية

“السباط” اسم يحيلنا تلقائيا على كلمة الحذاء، كما نتداولها في لغتنا العامية، لكن لا مكان هنا في هذا السوق للأحذية ولا وجود لها، لا تباع هنا عصرية كانت أو قديمة، منتجة محليا أو مستوردة من خارج المدينة. فـ”السباط” كلمة ليست عربية بل دخيلة على اللسان العربي، أدخلها الوافدون من الأندلس من اللغة الإسبانية: Zapatero، أي صانع الأحذية، إلى اللغة الدارجة فأزاحت اسم الحذاء واستقرت مكانه. كما نجد الاسم في صيغة الجمع في مكان غير بعيد من هذا السوق، في السبيطريين، وهو سوق مخصص لبيع المواد الأولية لصناعة “الخرازة”. أما الأحذية بمفهومها الحديث فنجد لها سوقا يعرف بالطرافين، من فعل طرّف: “طَرَّفَت المرأةُ أَناملَها أَظفارَها: خَضَّبَتْهَا، أَو زَيَّنَتْهَا”، كما في المعجم. ويعرف هذا السوق الأخير أيضا باسم الشرابليين، أي صناع “الشرابيل”. و”الشربيل” يقال إنها كلمة تركية دخلت إلى اللغة العامية المغاربية.

وسوق “السباط” هو السوق الوحيد المنفرد المتخصص في هذا النوع من المنتجات الحذائية دون غيره من أسواق مدن فاس العتيقة، عدوة الأندلس وفاس الجديد.

سوق البورصة

لعدد من أسواق فاس علاقة بالملابس ولها أسماؤها المنوطة بفضاءاتها المتميزة المنفردة بها وبتخصصها دون غيرها، كسوق الحايك، سوق السلهام، القشاشبيين وغيرها. غير أن “سوق السباط” هو على عكس غيره من الأسواق يوجد داخل المجمع التجاري (القسارية) يشترك البناية مع تجارات أخرى، كالأثواب الرفيعة، الملابس التقليدية، الحلي والمجوهرات، تجارة خيوط الحرير والصنوبر، وتجمعات صغيرة تعرف بـ”التريبعة” لخياطة الملابس التقليدية.

يشغل “سوق السباط” تقريبا كل الجهة الشمالية من القيسارية. فإذ كانت كل الأسواق التي يقام فيها المزاد العلني، مثل سوق الجلد أو سوق البطانة أو سوق الغزل، تنفرد ببناية لا تشترك فيها أثناء فترة المزاد العلني مع أي تجارة أخرى، أو يقام فيها المزاد العلني تحت قبة السماء، مثل سوق البطانة أو سوق الجلد، فـ”سوق السباط” يقام فيه المزاد العلني والنشاط التجاري تحت سقف القيسارية، ما يتيح إجراءه كل يوم وفي كل فصول السنة، من بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب، باستثناء يوم الجمعة؛ كما يستمر إلى ليلة عيدي الفطر والأضحى، وذلك لما يكون الطلب على الملابس، بما فيها المخصصة للأقدام، في ذروته.

يعرف “سوق السباط” بعرضه المتنوع من البضاعة الجلدية، مثل “البلاغي” الرجالية مختلفة الجودة، سواء للاستعمالات اليومية أو للمناسبات الدينية أو الاجتماعية الخاصة، وأيضا “بلاغي” الأطفال للختان أو الاحتفالات الدينية، كما يتميز بعرضه المتنوع من “شرابيل” النساء والبنات المنمقة المطرزة بالخيوط الذهبية الصقلية.

ومع كل هذه الصيت العالي والبريق الذي يتمتع به هذا السوق فسمعته لا تخلو من شوائب يجب التعامل معها بحذر، فقد احتفظت الذاكرة الشعبية حوله بحكايات تشهد لتجاره بذكاء وفطنة ثاقبة، وأخرى بدهائهم المفرط، وقوة إقناعهم البارعة. لقد كان هذا السوق وإلى السبعينيات من القرن الماضي بورصة التجار الذين يصدرون بضاعة “البلاغي” الرجالية والنسائية إلى شمال إفريقيا وإلى الساحل الإفريقي، وخاصة إلى السنغال وساحل العاج، حيث يتزودون منه بحاجاتهم من البضائع المصدرة إلى هذه الدول. وإلى منتصف القرن العشرين من هنا كانت “البلاغي” الصفراء تصدر إلى الشرق الأوسط.

للمزاد قوانين

لقد رصد الكثير من الرحالة والباحثين في الشأن المغربي في القرون الماضية الأخيرة ظاهرة “الدلالة” (المزاد العلني)، نذكر منهم ليس على وجه التحديد كلا من روجي لطورنو في كتابه “فاس ما قبل الحماية”، وأيضا Domingo Badía y Leblich المعروف باسم علي باي العباسي في كتابه “رحلات عبر المغرب”، وأوردا تفاصيل كثيرة ودقيقة عن المزاد العلني في أسواق فاس، ومن ضمنها سوق السباط. وسيضيق المقام هنا عن كل ما ذكره هذان الكاتبان عن “الدلالة”. فـ”الدلالون”، أي القائمون على تسيير المزاد العلني في أسواق فاس، يخضعون لاختبارات صارمة بعد مرحلة تكوينهم، ومن ضمن ما يجب عليهم معرفته إلى حد ما بعض أبواب البيوع في الفقه المالكي.

يقربنا من هذه الصورة أكثر الأديب والفقيه والمؤرخ قدور الورطاسي من خلال كتابه “ذكريات دراستي في فاس”، حيث كتب عن “الدلال” في سوق باب مولاي إدريس للبضائع المستعملة: “كانت في يده ساعة وهو يقول 16 دالبليون .. اثلاثة دالزيادات.. الراشي البالي. اشري ما شافت العين.. من تم ودعوة البكم.

قلت من سيشتري هذه الساعة، ولماذا يظهر عيوبها. وعهدي أن البائع دائما يثني على جودة بضاعته، وإن كانت أدنى البضائع.

وتداركني الله بلطفه فسألت أحدهم فقال: يقول خليل (بن إسحاق الجندي توفي 1374 م هو فقيه مالكي) “ووجب تبيين ما يكره”. ويقول عليه الصلاة والسلام: من غشنا ليس منا. وأجمع الفقهاء على الرجوع بالعيب والدرك بشروطها، وأن المخزن يعاقب كل مدلس. وآل فاس كثيرا ما يتمثلون علم القرويين في تصرفاتهم حتى صار لهم طباعا وتقاليد. فلا تعجب فعالم فاس عالم العلم والحضارة والتقاليد الكريمة.

فسألته هل درست في القرويين مثلا؟ فقال كطالب لا.. ولكن كمستمع حر في الدروس التطوعية التي تلقى في كثير من مساجد فاس، وأهمها القرويين ومولاي إدريس. إنني رجل أمي لا اكتب ولا اقرأ، ولكنني استغل تلك الدراسة المتواضعة للتفقه في شؤون ديني.

ففارقته بعد شكره على “بيانه”، وصحت: ويلي أميهم خير من بعض علمائنا. استغفر الله. وكنت تعلمت في فاس أن أردف كلامي بأستغفر الله، وإلا لما قلتها آنذاك”.

فالبضاعة التي يتم الإعلان عن مزادها تصل يوميا إلى السوق، حيث يبعث بها صناع “البلاغي” مع مساعديهم، وأحيانا يبعث الحرفي بشق واحد من “البلغة”، ليتم بيعها بالمزاد، على أن يلحق بها الشق الثاني بعد مدة زمنية. فالمزاد العلني ليس مقصورا على تجار الدكاكين، بل يمكن لأي مشتر أن يشارك فيه، غير أن الأسبقية دائما لتاجر السوق.

فصناعة “البلاغي” المرتبطة بهذا السوق كانت تخضع هي الأخرى لمراقبة صارمة من طرف “المحتب” (المحاسب)، الذي يراقب جودة الإنتاج ويعمل على حماية المستهلك من الغش والتدليس، وإذا أثبت الحاسب عبر استشارة أمين هذه المهنة أن البضاعة المعروضة تم التلاعب في موادها أو الغش في صناعتها يعاقب الصانع بأن يغلق محل عمله لفترة طويلة محددة. وتسمر إحدى زوجي منتجه اليدوي بمسمار على باب محل عمله.

علو مكانة السوق

من المعلوم في تكوين الأسواق أن وجود سقاية الماء يدخل في هيكل تصميمه الهندسي، سواء كان السوق صغيرا كسوق السلهام أو سوق الحنة أو كبيرا كسوق القطانين أو الرصيف، كضرورة لتلبية حاجة الباعة والتجار والمشترين لماء الشرب. ورغم كبر وشساعة المجمع التجاري (القيسارية)، الذي تضم بنايته العديد من الأجنحة للمنتجات التجارية المختلفة، فلا توجد في كل هذا المجمع إلا سقاية واحدة، تفرد بها “سوق السباط”. وحيث إن التجارات الأخرى الموجودة داخل مجمع القسارية لا يقام فيها مزاد علني فقد رأى مهندس هذه البناية قدر حاجة “الدلالة” الملحة للماء، وهم يصيحون ويركضون لساعات طويلة من دكان تاجر إلى آخر، وأيضا بين البائع والمشتري، يحملون عددا من “البلاغي” أو “الشرابيل” التي أدخل بعضها في بعض حتى أصبحت كأعمدة مرتفعة؛ وكذلك مراعاة لتجار هذا السوق الذي يصبح الجو فيه نتيجة الازدحام وضيقه، وخاصة في شهور الفصول الحارة، خانقا لا يطاق.

وحيث إن النضال الوطني في أيام مقاومة الاستعمار الفرنسي ارتبط من الناحية التطبيقية في الغالب بعدد من رجالات الحرف اليدوية فقد أبى أصحاب هذا السوق إلا أن يزينوا هذه السقاية، وبذلك سوقهم، برفع صورة نصفية للملك محمد الخامس وهو فاتح يديه في جلبابه التقليدي وطربوشه الوطني بالبيض والأسود، كتب عليها: “لنحارب الأمية”، إلى أعلى جدار السقاية، ثم أضيفت لها لاحقا صورة صغيرة للحسن الثاني ثم محمد السادس. وحين تمت إعادة بناء المجمع التجاري بين سنة 2016 و2017 كلف تجار “سوق السباط”، وعلى نفقتهم الخاصة، رساما بإضفاء الألوان على صورة الملك وشعارها “لنحارب الأمية”. وهذه السقاية والصورة مفخرة “سوق السباط”، كما يعتبرها تجار السوق علامتهم وهويتهم الوطنية، وقد انفردوا بهذه الصورة دون أسواق المغرب قاطبة.

لقد كانت صورة هذه الأسواق وترتيباتها أكثر من مجرد بيع وشراء و”دلالة” وأعراف توارثتها أجيال ألفا عن ألف، بل كانت سمة حضارية ومدارس مفتوحة تعلم الدروس في الحياة، ويصفها الكاتب قدور الورطاسي بقوله: “لأنني كنت أرى فاس كلها مدرسة، فأينما توجهت ترى دروسا دينية أو دنيوية، ومدرسة الحياة هي التي تشخص بوضوح الآراء، والمشاعر؛ بعبارة أخرى هي التي تصور لك الحضارة ماشية على رجليها”.

تابعوا آخر الأخبار من رصد 24 على WhatsApp

مقالات ذات صلة

توقعات طقس اليوم الجمعة بالمغرب
الجمعة 5 يونيو 2026 - 06:14

توقعات طقس اليوم الجمعة بالمغرب

موسم "الباكور" ينعش أسواق وزان ويستقطب التجار والزوار سنويا
الجمعة 5 يونيو 2026 - 00:00

موسم "الباكور" ينعش أسواق وزان ويستقطب التجار والزوار سنويا

قضية استغلال قاصرتين تهز تاونات
الخميس 4 يونيو 2026 - 22:30

قضية استغلال قاصرتين تهز تاونات

تأجيل دورة مجلس مقاطعة حسان
الخميس 4 يونيو 2026 - 19:21

تأجيل دورة مجلس مقاطعة حسان