كشفت تسريبات من تقارير رفعتها أقسام “الشؤون الداخلية” بعمالات وأقاليم جهات الدار البيضاء–سطات، والرباط–سلا–القنيطرة، وفاس–مكناس عن نمط جديد في خروقات التعمير، أظهر مستوى غير مسبوق من التنظيم والتعقيد في أساليب التحايل على منظومة التراخيص، بعد رصد وقائع التفاف منعشين عقاريين على قرارات هدم، من خلال توظيف “رخص تسوية” مشبوهة موقعة من قبل رؤساء جماعات، وحاملة لتأشيرة أقسام تعمير، بدعوى تسوية وضعيات عقارية دون المساس بالأجزاء التي صدرت بشأنها أوامر الإزالة.
وأفادت مصادر جيدة الاطلاع رصد 24 بأن هذه الرخص لم تكتفِ بتجميد تنفيذ ما صدر من قرارات هدم، بل تحولت إلى أداة لانتزاع مكتسبات إضافية لم يحوزوها قبل إصدار القرارات المذكورة، مؤكدة أن التقارير رصدت منح “رخص تسوية” لمنعشين حق إضافة طوابق علوية جديدة، وتسوية مخالفات رصدتها لجان تقنية مختلطة، تتعلق بتغييرات جوهرية على التصاميم الأصلية، سواء بالزيادة في القبو أو رفع منسوب العلو، ما حوّل مخالفات صريحة تستوجب الزجر بالإزالة الفورية إلى وضع قانوني معترف به.
وأكدت المصادر ذاتها أن التقارير الواردة من العمالات تقاطعت مع شهادات ميدانية ومعطيات إدارية، أشارت إلى أن هذا النمط من التحايل جرى تنزيله في إطار منظم، بحيث استلزم تنسيقا مسبقا بين أطراف متعددة، شملت منعشين عقاريين ومقاولين من جهة، ورؤساء جماعات وأقسام تعمير بصفتهم موقعين على الرخص من جهة ثانية، وهو ما جعل التقارير تلمح صراحة إلى احتمال تورط هؤلاء الرؤساء في منح رخص استغلال ساهمت في تسريع انتشار البناء العشوائي، خصوصا بمحاذاة تجمعات سكنية مصنفة ضمن المناطق ذات الطابع السياحي، حيث تكون قيمة الأراضي مرتفعة وحجم الطمع في استغلالها أكبر.
وكشفت المصادر نفسها عن تركيز تقارير “الشؤون الداخلية” في هذا الإطار على حالة جماعتين بإقليم برشيد، ضواحي الدار البيضاء، حيث وقفت على أن الاستناد في منح بعض الرخص جرى من خلال تجديد شهادات قديمة سبق استعمالها لاستصدار رخص فوق العقارات ذاتها، قبل أن يتبيّن الأمر ويُضطر رؤساء الجماعات إلى سحبها. وحين وجدت السلطات نفسها أمام قرارات هدم واجبة التنفيذ، جرى التذرع باستحالة التطبيق في محاولة مكشوفة لصرف الأنظار عن اختلالات عميقة مرتبطة بملفات الرخص المسحوبة، والعلاقات التي أتاحت منحها في الأساس.
وتزايدت خطورة الخروقات المسجلة، حسب مصادر الجريدة، بعد تسريب وثائق ومعلومات تعميرية قبل المصادقة النهائية عليها، وهو ما دفع المصالح المركزية لوزارة الداخلية إلى الأمر بفتح أبحاث إدارية بشأن شكايات مقدمة في هذا الشأن، مؤكدة أن التسريبات المعنية ارتبطت بمنظومة متكاملة أتاحت لأصحاب مشاريع مخالفة الاطلاع المسبق على مسار ملفاتهم وتوقع ردود فعل الإدارة، ما منحهم هامشا زمنيا كافيا لترتيب أوراقهم القانونية، واستصدار “رخص تسوية” قبل أن تصدر بحقهم أوامر الهدم.
ووضعت التقارير الجديدة، وفق مصادر رصد 24، عددا من الموظفين والمسؤولين تحت المجهر، وسط توقعات بتوسع شبكة المتورطين المحتملين صعودا إلى مستويات أعلى؛ إذ واجهت السلطات في هذا الشأن معضلة مزدوجة، بعدما اصطدم عدد من العمال الجدد المكلفين بتنفيذ قرارات الهدم بمقاومة ميدانية من بعض الرؤساء والموظفين، في محاولة لمنع كشف اختلالات مركّبة طالت ملفات رخص بعينها.



