قالت زكية الدريوش، كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المكلفة بالصيد البحري، إن المغاربة غيروا تصورهم السابق تجاه السمك المجمد، مشيرة إلى وجود فرق شاسع عددي بين الكميات التي جرى استهلاكها عند إطلاق مبادرة تسوق لهذا المنتج؛ ففي النسخة الأولى تم تسويق حوالي 400 طن من السمك المجمد، ليرتفع الحجم إلى أكثر من 6800 طن في الدورة الأخيرة.
وذكرت الدريوش، ضمن لقاء خاص مع جريدة رصد 24 الإلكترونية، أن “إطلاق المبادرة رافقته أسئلة موضوعية حول ما إذا كان المواطن سيقبل على هذا المنتج أم لا”، موردة أنه بعد 8 نسخ من المبادرة التسويقية، بات المواطن يثق في هذا المنتج بعدما جربه ووقف على جودته، لكونه سمكا يخضع لعملية التجميد مباشرة على متن البواخر فور اصطياده، ولا يمكن أن تكون جودته أقل من جودة السمك الطري.
وخلال تفاعلها مع السؤال المتعلق برفض المغاربة في السابق السمك المجمد واعتباره ذا قيمة غذائية متدنية، ردت المسؤولة الحكومية بأن “السمك الطري قد يستغرق 3 أو 4 أيام قبل تفريغه، وتبقى مدة صلاحيته حوالي 7 أيام فقط، وبعدها لا يعود صالحا للاستهلاك”، مبرزة أن “الوضع تغير الآن مع المنتج الخاضع للتجميد، وهو ما يفسر كيف توسعت المبادرة لتشمل 50 مدينة بعدما كانت منحصرة في 5 مدن فقط”.

مؤشرات القطاع
تطرقت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري إلى ما تعتبره “مؤشرات دالة على قوة القطاع”، مستحضرة أرقام معاملاته بوصفها “محورية ودالة”، وقالت: “خلال سنة 2025، بلغ رقم المعاملات الداخلية 15 مليار درهم، وهي المردودية المرتبطة بالمفرغات التي بلغت في السنة ذاتها حوالي 1.2 مليون طن، ينضاف إليها رقم معاملات التصدير خلال السنتين الأخيرتين، الذي وصل إلى 26 مليار درهم”.
وذكرت الدريوش كذلك الجانب المرتبط بمناصب الشغل، موردة أن الصيد البحري ما يزال يشغل اليد العاملة ويخلق فرص العمل، مبرزة أن عدد مناصب الشغل في القطاع بلغ اليوم حوالي 270 ألف منصب، وزادت أن “الاستثمار الخاص بدوره مؤشر مهم، وقد بلغ حجمه خلال السنوات الأخيرة 5 مليارات درهم تقريبا”، مستندة إلى كل هذه البيانات لتقول إن “القطاع ما يزال يتمتع بصحة جيدة”.
ونبهت الجريدة ضيفة اللقاء إلى “الفراغ” الذي سجله المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي الأخير بخصوص غياب استراتيجية جديدة بعد انتهاء مدة استراتيجية “أليوتيس” (2009-2020)، لكنها اعتبرت أن “المهم هو أن نستحضر حصيلة القطاع منذ إطلاق الاستراتيجية، التي أعطى انطلاقتها الملك محمد السادس سنة 2009 بمدينة أكادير، لمعرفة كيف كان الوضع قبل ذلك وإلى أين وصلنا اليوم”.
وتابعت شارحة: “قبل إطلاق الاستراتيجية، لم يكن لدينا بحث علمي دقيق، ولا مراقبة صارمة لأنشطة الصيد البحري، كما لم تكن هناك مخططات للتهيئة، ولا تأهيل لسلاسل التسويق، ولم يكن لدينا برنامج أو مشروع لتربية الأحياء البحرية”، مضيفة أنه “في سنة 2009 وُضعت هذه الاستراتيجية، وكان أول مرتكزاتها دعم البحث العلمي”، لافتة إلى “تخصيص ما يقارب 500 مليون درهم لهذا الغرض، من خلال تعزيز البحث العلمي ببواخر حديثة مجهزة بتقنيات متطورة، إلى جانب تقوية العنصر البشري”.
وذكرت الوزيرة أن “الوضع الجديد مكن من التدقيق في وضعية المخزون السمكي، ومن ثم إعداد مخططات التهيئة؛ ففي سنة 2009 كان لدينا مخطط تهيئة واحد، بينما أصبح لدينا اليوم 30 مخططا”، مشيرة إلى أنه “بعد إنجاز البحث العلمي الدقيق، يتم الاعتماد على مؤشرات علمية لوضع هذه المخططات، التي بفضلها، إلى جانب المراقبة، تحسن مخزون الأخطبوط ووصل إلى حوالي 55 ألف طن سنويا، رغم التأثيرات المناخية”.
وفي إطار ما سمته “المحافظة على الثروة السمكية”، لفتت المسؤولة الحكومية إلى إحداث محميات بحرية، وذكرت أن “ثمة مناطق يعتبرها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري ضرورية للحفاظ على التوازن البيولوجي، ولذلك تجب حمايتها، وتم وفقا لذلك إنشاء 8 محميات على الصعيد الوطني”، وزادت: “بعد ذلك، كان لا بد من المراقبة، واليوم لا توجد أي باخرة تصطاد في المياه المغربية إلا وهي خاضعة للمراقبة بواسطة جهاز تتبع السفن (VMS)”.

التصدير وجدل الأسعار
أثناء مواجهة ضيفة الجريدة بالنقاش الرائج في الأوساط السياسية المغربية وقراءات الخبراء بخصوص التصدير وتأثيره على السيادة الغذائية وعلى استقرار أسعار السمك الموجه للاستهلاك الداخلي، ردت الدريوش بقراءة أخرى مفادها أن “حوالي 85 في المئة من هذه الثروة تتكون من الأسماك السطحية، مثل السردين والشنشار والماكرو، بينما تمثل الأسماك البيضاء والرخويات النسبة المتبقية”.
وتساءلت: “هل يمكن أن نستهلك داخليا 85 في المائة من إنتاجنا الذي يبلغ حوالي 1.2 مليون طن؟”، وأجابت: “لهذا السبب توجد وحدات للتثمين والتحويل، كصناعة المصبرات، والتجميد، وشبه المصبرات”، لافتة إلى أن “الهدف الأول هو الحفاظ على الثروة السمكية وضمان الوفرة، خاصة في ظل الظروف المناخية الحالية التي لا تساعد دائما”.
واستندت كاتبة الدولة في هذا السياق إلى ما وقع خلال السنة الماضية قائلة: “إذا نظرنا إلى ما وقع خلال السنة الماضية، نجد أن حرارة المياه ارتفعت إلى ما بين 22 و23 درجة، في حين إن السردين، باعتباره من الأسماك السطحية، يعيش في درجة حرارة تقارب 18 درجة”، مفيدة بأن “تراجع وجود السردين بالقرب من السواحل كان مرتبطا أساسا بهذه الظروف المناخية”.
ومن ثم، عندما ارتفع الطلب على السردين خلال شهر رمضان، الذي تزامن مع فترة الشتاء، ذكرت الدريوش أنه “جرى إصدار قرار بتعليق تصدير السردين المجمد لتوجيهه نحو تزويد السوق الداخلية، من أجل ضمان الوفرة في السوق الوطنية خلال شهر الصيام”، معتبرة أن “الهدف دائما هو توفير المنتج السمكي بالشكل الكافي لتفادي أي اضطراب في تموين الأسواق”.
وعند سؤالها عن أسباب الارتفاعات الدائمة في الأسعار التي تحد من قدرة المغاربة على استهلاك السمك، أوضحت المتحدثة أن “الثروة السمكية تعد بيولوجية تخضع لدورات التكاثر والنمو، وهناك فترات يمنع فيها الصيد، ومناطق محمية، ومحددات بيولوجية، كما أن هذه المخزونات البحرية محدودة بطبيعتها”، مضيفة أن “الإنتاج في السنوات الجيدة قد يصل إلى حوالي 1.5 مليون طن، لكن علينا أن ننظر أيضا إلى تطور الاستهلاك الداخلي”.
ولتوضيح “عصب النقاش” المرتبط عندها بـ”العرض والطلب”، أخذت الوزيرة بعين الاعتبار النمو الديمغرافي وعدد الساكنة في المغرب، بالإضافة إلى ارتفاع عدد السياح الأجانب الوافدين إلى المملكة بالملايين خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يرفع بدوره الطلب على المنتجات السمكية، خالصة إلى أن “التصدير لا دخل له في ارتفاع الأسعار”.



