وجّهت المصالح المركزية بوزارة الداخلية (تحديدا مديرية مالية الجماعات الترابية التابعة للمديرية العامة للجماعات الترابية) تعليمات عاجلة إلى الإدارات الترابية بعمالات وأقاليم جهات المملكة، في سياق مهام رقابية لسلطة الوصاية على اختلالات في تدبير ميزانيات النظافة بعدد من الجماعات الحضرية.
وأفادت مصادر عليمة رصد 24 بتعميم التعليمات الجديدة على المسؤولين الترابيين بعمالات وأقاليم جهات المملكة، بدءا بجهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة، من خلال مطالبتهم بإعداد تقارير نوعية حول ملابسات تأخر عدد من الجماعات الحضرية في اعتماد التدبير المفوض بقطاع النظافة، رغم توفرها على الشروط الموضوعية اللازمة للانتقال إلى هذا النمط، لا سيما ما يتعلق بحجم السكان وثقل الاعتمادات المالية المرصودة سنويا لهذه الخدمة.
وأكدت المصادر ذاتها عدم اكتفاء مصالح الإدارة المركزية في هذه العملية الرقابية بطلب التقارير؛ إذ زوّدت المسؤولين الترابيين بمعطيات دقيقة حول مؤشرات مثيرة للشبهة، ارتبطت بطريقة صرف نفقات النظافة، وذلك بناء على معلومات كافية جمعتها المصالح لغايات التحقق الميداني من وقائع بعينها.
وتصدرت هذه المؤشرات المشبوهةَ ظاهرةُ تحويل رؤساء بعض الجماعات بنودا مالية مخصصة أصلا لأجور وتعويضات العمال العرضيين، واقتناء الشاحنات والمحروقات والزيوت والشحوم وأعمال الصيانة، إلى اعتمادات قارة عرفت ارتفاعا متواصلا ومبالغا فيه في كل دورة ميزانياتية، وهو ما عزز الشكوك حول الجهة المستفيدة الحقيقية من استمرار هذا النمط من التدبير.
وتندرج العملية الرقابية الجديدة في سياق التوجه العام لوزارة الداخلية نحو تعزيز حكامة المرافق العمومية المحلية وترشيد الإنفاق، وذلك بتقييم كلفة التدبير الذاتي تقييما حقيقيا ومقارنتها بما يمكن أن يوفره خيار التدبير المفوض من نجاعة ومن ضمانات للشفافية.
وأوضحت مصادر رصد 24 في هذا السياق أن التقارير المطلوبة يرتقب أن تسلط الضوء بشكل خاص على وضعية جماعة حضرية تابعة لإقليم برشيد، محاذية لمطار محمد الخامس الدولي، باتت نموذجا صارخا للإشكالية التي تسعى الداخلية إلى تفكيكها، حيث ما تزال متمسكة بالتدبير الذاتي لقطاع النظافة رغم الحجم الضخم للاعتمادات التي رصدتها.
وبهذا الخصوص، بلغت قيمة الاعتمادات التي خصصتها هذه الجماعة لتغطية تكاليف التدبير الذاتي للنظافة برسم المرحلة الجارية حوالي 13 مليونا و827 ألفا و214 درهما، أي ما يعادل أزيد من مليار و300 مليون سنتيم، وهو مبلغ تقريبي موزع بين صفقة لاقتناء شاحنتين بـ240 مليون سنتيم، وأخرى لشراء حاويات للنفايات بـ140 مليون سنتيم، في مشهد يعكس حجم الأموال العمومية المضخّة في هذا القطاع دون رقابة مقنّنة.
وفي ميزانية الجماعة سنة 2026، كشفت بنود الاعتمادات عن صورة أكثر تفصيلا للإنفاق؛ إذ خُصص لأجور الأعوان العرضيين ما يزيد عن 585 مليون سنتيم، يشتغل جُلّهم في قطاع النظافة تحديدا، وهو رقم وحده يكفي لإثارة التساؤل حول مدى الحاجة الفعلية لهذا العدد من المستخدمين في ظل غياب تدبير مفوّض محترف.
وإلى جانب فاتورة الأجور، رُصدت-وفق مصادر رصد 24-اعتمادات أخرى لشراء لباس الأعوان والمستخدمين، واستئجار آليات النقل والمركبات، واقتناء الوقود والزيوت، فضلا عن بنود خاصة بشراء قطع الغيار والإطارات المطاطية، وصيانة السيارات والآليات وإصلاحها، ومصاريف التأمين والضريبة الخاصة على السيارات، في منظومة إنفاق متشعبة بشكل سيصعب معه على المصالح الإقليمية التحقق من مآلاتها الحقيقية.



