الجزائر تبتغي "الجمود المحسوب" في التفاعل مع قضية الصحراء المغربية

الجزائر تبتغي "الجمود المحسوب" في التفاعل مع قضية الصحراء المغربية
الجزائر تبتغي "الجمود المحسوب" في التفاعل مع قضية الصحراء المغربية
رصد 24 الأربعاء 17 يونيو 2026 - 11:00 l عدد الزيارات : 4182

أعاد البيان الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية عقب استقبال الوزير أحمد عطاف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، التأكيد على المرتكزات التقليدية للموقف الجزائري من النزاع، من خلال التشديد على دعم جهود الأمم المتحدة والدعوة إلى استئناف المفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية دون شروط مسبقة، وذلك على هامش الجولة الإقليمية التي يقودها المسؤول الأممي تنفيذا لقرار مجلس الأمن رقم 2797.

وعلى الرغم من إشارة البيان إلى أهمية مواصلة الجهود الأممية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف، إلا أنه لم يتضمن أي مؤشرات تعكس تحولا في المقاربة الجزائرية أو تكييفا لخطابها السياسي مع الدينامية الجديدة التي يشهدها الملف، لا سيما في ظل تركيز مجلس الأمن، خلال السنوات الأخيرة، على الدفع نحو حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق.

ويكتسي موقف الجزائر أهمية خاصة بالنظر إلى دورها المحوري في النزاع، سواء باعتبارها طرفا أساسيا في الموائد المستديرة التي ترعاها الأمم المتحدة أو بحكم احتضانها مخيمات تندوف ودعمها المستمر لجبهة البوليساريو. كما تأتي هذه المواقف في وقت يشهد فيه الملف زخما دبلوماسيا متزايدا، مدفوعا بتكثيف التنسيق بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، في أفق إعادة إطلاق العملية السياسية.

ويقرأ مراقبون تمسك الجزائر بخطابها التقليدي باعتباره مؤشرا على حرصها على الحفاظ على توازنات المسار التفاوضي وفق رؤيتها المعهودة، في وقت تتجه فيه الجهود الأممية نحو تقييم مدى انخراط مختلف الأطراف في منطق التسوية الذي كرسته قرارات مجلس الأمن الأخيرة؛ بحيث من شأن مخرجات الجولة الإقليمية التي يجريها دي ميستورا أن توفر شروطا أوضح بخصوص فرص استئناف المفاوضات المباشرة وآفاق المرحلة المقبلة من المسار السياسي.

جمود محسوب

في قراءة لدلالات الزيارة وتوقيتها، قال الفاعل السياسي دداي بيبوط إن الجولة الإقليمية الحالية التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، تتجاوز طابعها البروتوكولي، لتكشف عن اتساع الفجوة بين التوجه المعياري الجديد لمجلس الأمن الدولي والعقيدة الدبلوماسية الجزائرية التي ما تزال متمسكة بمقاربات تقليدية لا تنسجم مع التحولات التي يشهدها المسار الأممي.

وأوضح بيبوط، في تصريح لجريدة رصد 24 الإلكترونية، أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 رسخ فلسفة قائمة على الواقعية السياسية والبحث عن حل سياسي واقعي وعملي ودائم، متجاوزا الأدبيات الكلاسيكية المرتبطة بخيار الاستفتاء، الذي أثبتت التجربة الأممية عدم قابليته للتطبيق.

وأكد أن إصرار الجزائر، من خلال بيانها الأخير عقب لقاء وزير خارجيتها أحمد عطاف بالمبعوث الأممي، على إعادة طرح مفاهيم من قبيل “المفاوضات المباشرة دون شروط مسبقة”، يعكس محاولة لحبس النزاع داخل قوالب إجرائية تروم فرملة المنعطف البراغماتي الذي بات يوجه مقاربة الأمم المتحدة.

من جانبها، تشاطر الرأي نفسه مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، التي أكدت أن البيان الصادر عن الخارجية الجزائرية يمثل إعادة تأكيد مدروسة للموقف الجزائري التقليدي، دون أن يحمل أي مؤشرات على إعادة ضبط استراتيجي تتلاءم مع الديناميات الأممية الجديدة أو مع التحولات التي تعرفها مواقف القوى الدولية الفاعلة.

وفي تصريح لرصد 24، أفادت لغزال بأن “الجزائر اختارت التمسك بلغتها الدبلوماسية ذاتها، من خلال التشديد على دعم جهود الأمم المتحدة والدعوة إلى مفاوضات مباشرة دون شروط مسبقة، رغم أن القرارات الأممية الأخيرة باتت تركز بشكل واضح على الحلول الواقعية والعملية والتوافقية”.

ونبهت الناشطة الحقوقية إلى أن هذا التصلب الخطابي يعكس تخوفا جزائريا من أي تحول جذري في الموقف الدولي تجاه النزاع، لافتة إلى أن المسار الأممي يشهد تنسيقا متزايدا بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب تنامي التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.

وأشارت إلى أن رفض الجزائر تكييف خطابها مع المعجم الجديد لمجلس الأمن لا يمكن فصله عن سعيها للحفاظ على موقعها كفاعل محوري في معادلة النزاع، حتى مع تغير موازين القوى والمعايير التي تحكم هذا الملف.

تعطيل ممنهج

يعكس إصرار الجزائر على إعادة إنتاج خطابها التقليدي بشأن النزاع توجها يروم حصر الملف في قوالب إجرائية وشكلية، بهدف إبطاء الزخم السياسي الذي يشهده المسار الأممي، خصوصا في ظل تنامي المقاربة الدولية الداعية إلى تسوية واقعية وعملية تستند إلى مخرجات قرار مجلس الأمن رقم 2797.

ويتجلى ذلك، وفق الباحث في الشؤون الصحراوية دداي بيبوط، في استمرار الجزائر في المناورة خلف وضعية قانونية ملتبسة؛ إذ ترفض توصيفها طرفا أصيلا في النزاع، رغم احتضانها لمخيمات تندوف ودعمها المستمر لجبهة البوليساريو، متمسكة في المقابل بصفة “الدولة المجاورة”.

وأورد المحلل السياسي ذاته أن هذا الغموض المتعمد يسمح للجزائر بممارسة نفوذ فعلي على مسار المفاوضات عبر جبهة البوليساريو، مع تجنب تحمل المسؤوليات القانونية والسياسية المترتبة عن دورها الحقيقي في النزاع.

وأضاف المهتم بخبايا النزاع أن عبارة “استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة”، الواردة في البيان الجزائري، تمثل حجر الزاوية في استراتيجية تعطيل منهجية، وقال شارحا: “هذه الصيغة تبدو في ظاهرها دعوة إلى المرونة، لكنها في العمق تهدف إلى رفض جعل مبادرة الحكم الذاتي المرجعية الأساسية لأي تسوية سياسية مستقبلية، وإعادة المسار التفاوضي إلى نقطة الصفر”.

وبخصوص هذه المقاربة، سجلت مينة لغزال أن تمسك الجزائر بالغموض الإجرائي يخدم هدفين رئيسيين؛ أولهما الهروب من توصيفها طرفا مباشرا في النزاع، وثانيهما استدامة الأزمة كأداة لاستنزاف الخصم الجيو-سياسي.

وأوردت أن السردية الجزائرية القائمة على “الحياد النشط” باتت تصطدم بتوافق دولي متزايد يرى في الجزائر القفل والمفتاح لأي تسوية حقيقية للنزاع.

وعن التحولات التي يعرفها المسار الأممي، ذكرت لغزال أن الانزياح المعياري داخل الأمم المتحدة نحو الحلول الواقعية والتوافقية يقلص تدريجيا هامش المناورة المتاح للجزائر.

وأردفت أن استمرار التمسك بخيارات تجاوزتها قرارات مجلس الأمن الأخيرة، يضع الجزائر في مواجهة مباشرة مع الدينامية الدولية الجديدة.

تصلب خطابي

يكشف البيان الصادر عن الخارجية الجزائرية عن حالة من التصلب الخطابي المحسوب؛ إذ تعمد الجزائر إلى إعادة إنتاج معجمها التقليدي، وعلى رأسه الدعوة إلى مفاوضات مباشرة دون شروط مسبقة، كآلية دفاعية في مواجهة المنعطف البراغماتي الذي بات يوجه قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2797، في وقت تشهد فيه أروقة الأمم المتحدة انزياحا متزايدا نحو حلول واقعية وعملية تكرس منطق التوافق.

تفاعلا مع هذه النقاط، أكد دداي بيبوط أن البيان الجزائري يعكس رفضا واضحا لتكييف الخطاب الرسمي مع التحولات التي تشهدها مواقف القوى الكبرى، في ظل تنامي الدعم الدولي للمقترح المغربي، خاصة من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا.

واسترسل المحلل السياسي بأن تمسك الجزائر بمواقفها التقليدية لا ينفصل عن حسابات جيو-سياسية واعتبارات داخلية، تجعل من النزاع أداة للحفاظ على توازنات إقليمية وشرعية سياسية قائمة على منطق الخصومة الجيو-سياسية.

واستدرك قائلا: “إن استمرار هذا النهج قد يحول الجزائر، في نظر مجلس الأمن، من فاعل ضروري في مسار التسوية إلى عقبة إجرائية أمام تقدم العملية السياسية”.

بدورها، نبهت مينة لغزال إلى أن الجزائر تواجه اليوم تحديا متزايدا يتمثل في تضييق هامش المناورة الدبلوماسية المتاح لها، في ظل التوافق الدولي المتنامي حول ضرورة طي النزاعات المجمدة وفق مقاربات واقعية.

وأوضحت أن التمسك بخطاب تقليدي لا يواكب التحولات الجارية داخل الأمم المتحدة قد يفضي إلى تعميق العزلة الدبلوماسية للجزائر، خاصة مع تزايد القناعة الدولية بأن أي تسوية مستدامة تقتضي انخراطا مباشرا ومسؤولا من جميع الأطراف المعنية.

كما شددت على أن الأشهر المقبلة، تزامنا مع إعداد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة وتجديد ولاية بعثة المينورسو في أكتوبر المقبل، ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة الجزائر على الانتقال من منطق المناورة إلى منطق الانخراط الفعلي في المسار السياسي.

وفي هذا السياق، خلص المصرحان لرصد 24 إلى أن المرحلة الحالية لا تتعلق فقط بإعادة تحريك العملية السياسية، بل باختبار مدى استعداد مختلف الأطراف للتكيف مع المرجعيات الجديدة التي أرساها مجلس الأمن، والتي باتت تعطي الأولوية للحلول الواقعية والتوافقية على حساب المقاربات التقليدية التي أثبتت محدودية جدواها.

تابعوا آخر الأخبار من رصد 24 على WhatsApp

مقالات ذات صلة

وفد مغربي يبدد أوهام البوليساريو بخطاب التنمية والشرعية الانتخابية
الأربعاء 17 يونيو 2026 - 13:00

وفد مغربي يبدد أوهام البوليساريو بخطاب التنمية والشرعية الانتخابية

تهنئة ملكية لرئيسة جمهورية أيسلندا
الأربعاء 17 يونيو 2026 - 12:35

تهنئة ملكية لرئيسة جمهورية أيسلندا

العلمي يتوقع صدارة "الأحرار" للانتخابات ولا يستبعد التحالف مع "بيجيدي"
الأربعاء 17 يونيو 2026 - 08:00

العلمي يتوقع صدارة "الأحرار" للانتخابات ولا يستبعد التحالف مع "بيجيدي"

فتاح: "أسعار الكهرماء" ثابتة رغم الأزمات .. ومساهمات الدولة تخضع للتتبّع
الأربعاء 17 يونيو 2026 - 01:00

فتاح: "أسعار الكهرماء" ثابتة رغم الأزمات .. ومساهمات الدولة تخضع للتتبّع