رؤى عباس الجراري بالصينية.. كيف تقود الثقافة تنمية حقيقية دون تبعية؟

رؤى عباس الجراري بالصينية.. كيف تقود الثقافة تنمية حقيقية دون تبعية؟
رؤى عباس الجراري بالصينية.. كيف تقود الثقافة تنمية حقيقية دون تبعية؟
رصد 24 السبت 6 يونيو 2026 - 01:00 l عدد الزيارات : 2376

باللغة الصينية صدرت ترجمة رؤى الأكاديمي المغربي الراحل عباس الجراري، عضو أكاديمية المملكة والمستشار الملكي في “التنمية والثقافة”، عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر، بجهود ناصر بوشيبة ووانغ يونغ باو.

بعنوان “بين التنمية والثقافة” صدر هذا الكتاب متضمنا النص الأصلي باللغة العربية، وترجمته إلى اللغات الصينية والإنجليزية والفرنسية؛ نظرا لما يتضمنه، وفق الباحث المغربي في الشؤون الصينية ناصر بوشيبة، من “تحليل عميق للتفاعل المعقد بين التنمية والثقافة داخل الدول النامية، والتحديات المستمرة التي تواجهها هذه البلدان في أعاقب عصر الاضطهاد الاستعماري، حيث وضح الأستاذ الجراري وجهات نظره المميزة بشأن هذه المسائل”.

ويدافع عباس الجراري في هذا العمل عن أن “التنمية ليست اقتصادية فحسب، كما هو شائع، أو كما هو مفروض على البلدان المتخلفة فهمه وقبوله والانقياد له، ولكنها شاملة بناء على شمول حاجات الإنسان واستدامتها في إطار من التكامل والتناسق والتوازن والتآلف والتوافق؛ وكذلك وفق ما له من قيم يؤمن بها، وما له من قدرات بشرية غير مادية من فكر وأدب وفن وذكاء وخبرة ومهارة وحسن سلوك، مع الثقة في النفس والمجتمع، ومع توافر عدالة صارمة وحكامة صالحة ذات مصداقية تضمن بها الحقوق والواجبات انطلاقا من الحرية المسؤولة والعيش الكريم؛ ما يساعده على الإنتاج ومواصلته بإبداع يحقق تطلعاته، ويسمو به، أي بإنسانيته، نحو الأعلى والأحسن”، مع تأكيده “الحاجة إلى الانفتاح الداخلي بفكر نقدي، وتوجه عقلاني، ونظام ديمقراطي، وبعلم نافع، وحرية مسؤولة، وبالابتعاد عن كل ما يُلقي بالتبعة في تخلفه على عناصر مكذوبة، مثل العنصر الجنسي أو المعتقد الديني، وما إلى ذلك من تعليلات”.

ويقدر الجراري أن “حقيقة الثقافة التي تعد في طليعة ما هو غير مادي، إن لم تكن روحه وخلاصته، فهي التي تجعل الإنسان مدركا لوجوده في الحياة ولمستقبله في هذا الوجود، حتى يعيشه ويحياه وينميه؛ وأكاد أقول حتى يمتلكه ويستطيع التصرف فيه، من خلال منظور واضح يبلوره الفكر والعمل والسلوك”، ثم استرسل: “إن المنطلق لذلك لا يكون إلا بتربية سليمة قويمة وتعليم صحيح نافع، بما يتيح للأجيال الصاعدة تكوينا جيدا قادرا على أن يهيئها لتحمل المسؤولية في غير استلاب أو اغتراب أو انحراف، ولكن بمعرفة تعتمد البحث العلمي الذي ينبغي أن يمس مختلف مجالات التنمية، وفق سياسة علمية واضحة (…) وألا تنهض به فقط جهود فردية تبذلها نخب مؤهلة تسعى صادقة ومشكورة إلى القيام بهذا البحث في حقول شتى، إلا أنها مهما يكن بذلها، فهي لمحدوديتها وقلة إمكاناتها لن تستطيع تحقيق تلك التنمية وما يعلق عليها من آمال للتطور والتقدم”.

وينظر الأكاديمي الراحل إلى “الهوية الثقافية” لا بوصفها ثابتا متعاليا عن الزمن، بل باعتبارها “ظاهرة حضارية متطورة ومتجددة وفق تطور المجتمع وتجدده، وما يطرأ على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من تبدل أو تغيير، وقابلة للتفاعل مع غيرها بالأخذ والعطاء في منأى عن أي مظاهر للهيمنة وفرض التبعية”، مع توقفه عند عناصر مشكلة لها “في معناها الواسع”، مثل الدين واللغة اللذين لهما “دور كبير في تحقيق الوجود، وفي إبراز رمزية الذات، وفي تشكيل الإرث الثقافي والحضاري للأمة؛ طالما روعي في الدين اعتداله، ووسطيته، وتسامحه، بعيدا عن أي تشدد أو تزمت، وطالما روعي في اللغة كونها ليست مجرد أداة للتعبير والتواصل فقط، ولكن أداة معرفة وتفكير وإبداع كذلك”.

ويشدد المفكر نفسه على أن الثقافة تحتاج “أن توسع آفاقها بالانفتاح على ثقافات أخرى، والعمل على التفاعل معها والإسهام فيها”، لأن ذلك “ما يؤهلها للتجدد باستمرار، ليس فقط بواسطة النقل والاقتباس، ولكن أيضا بالإنتاج الجيد والإبداع المتميز، في مختلف العلوم والآداب والفنون”؛ إلا أنه يشدد أيضا على أن “مثل هذا التوجه التجديدي المعتمد باستمرار على النظر إلى جديد المعاصرة وعوامل التحديث لا يعني إغفال كون الثقافة هي تراث الأمة الحي والنافع، بنوعيه المدرسي والشعبي، وبمعالمه الأثرية والعمرانية (…) وينبغي أن تقدم للأجيال صحيحة غير مكذوبة ولا مزيفة أو مغلوطة، ما يعطي للإعلام دورا ثقافيا أساسا وحاسما، به يتحقق إثبات الكيان وترسيخ قيمه ومقوماته في تجنب ما يثقلها من سلبيات، وما أصابها طوال فترات الضعف والانهيار – ومازال يصيبها – ما جعلها تنغلق على نفسها وتجتر ذاتها، حبيسة الماضي ورهينة التقليد”.

وحتى يكون “المثقف عنصرا فاعلا ومؤثرا في التنمية” يشترط الجراري “أن يكون ممتلكا لأمره ومتحكما فيه، وأن يكون شريكا في حمل المسؤولية بعزة وكرامة غير مبعد ولا مهمش ولا مستسلم”، ويدعو إلى ضرورة “عدم اختيار الانعزال الذي من شأنه أن يقلص دوره ويدفعه إلى عدم أداء رسالته، وفقدان الأمل في أدائها، إما بشكل تلقائي أو تحت ضغوط متعددة قد تفضي به مكرها إلى التردد وتهيب الواقع، وما يخترمه من فساد واختلال إلى حد اليأس والإحباط؛ وهي حالة يتحول بها المثقف إلى مشكل وعائق، أو إلى صوت مبحوح داخل فضاء محدود يحبس نفسه فيه لا يجد من يسمعه أو يصغي إليه، أو في أحسن الظروف يتحول إلى مجرد شعار مردد مرفوع في مسيرة التنمية، ولكنه شعار مفرغ لا يُقنع ولا يؤثر، إلا أن يُحتاج إليه للتزكية والتبرير أو للتهدئة والتسكين”.

وفي كتاب “بين التنمية والثقافة” المترجم إلى الصينية دفاع عن أن “الثقافة في النهاية عامل يهدف إلى صنع الإنسان، وتكييف فكره، وبلورة وجدانه”؛ وحتى تكون ثقافة “قابلة للنهوض” ينبغي “اعتبارها معرفة وإحساسا وأخلاقا وقدرة على الإنتاج والاستيعاب، مع التأهل للأخذ والعطاء (…) تنمي الشعور بالذات والحياة والآخرين، وتساعد على فهم حقيقة الإنسان والكون، وتمكن من هضم جميع المشاكل والهموم بالتحليل والانتقاد، وإيجاد الحلول، وخلق الانضباط والتوازن بين جميع الاهتمامات، والحد من سلطان المادة الجامدة، وكذا سلطان العقل الصرف”.

كما يسجل المنشور أنه “ليس من شك في أن جزءا كبيرا من هذه المسؤولية يقع على المكلفين بالشأن العام، ما يقتضي تنبيههم إلى أهميته حتى يولوه ما يخدم التنمية، انطلاقا من أنماط الثقافة كافة، بما فيها المحلية (…) وينبغي مراعاة مختلف أشكالها الإيجابية المبرزة للتنوع الثقافي وغناه، في تناسق وتوازن وتضامن واندماج؛ كما ينبغي تجنب ما هو تحريفي فيها وقدحي وتشويهي قد يوجه لمجرد التسلية والإلهاء، أو للاستفزاز والإثارة، أو للتخدير بإشاعة التفسخ والإباحية ونشر الدجل والخرافة”، دون الغفلة “عما يرتبط بالثقافة من مدركات عقدية وروحية صحيحة، يحصنها الدين بوسط واعتدال من كل الشوائب والسلبيات، من أجل بناء مشروع تنموي حقيقي برؤية مستقبلية جديدة تراعي المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية والعالمية، بعيدا عن النزاعات العرقية والطائفية، والخلافات المذهبية والحزبية التي تعوق إدراك الواقع وكيفية التعامل معه، وتنسي مواجهة تحديات الحياة وإكراهات العصر الحقيقية”.

ومن شأن مثل هذا التأطير للثقافة والتنمية، وفق عباس الجراري، “أن يقرب بين المجتمعات المتقدمة والمتخلفة، ويقلل الفارق الهائل بينها، وأن يخفف من طغيان التطور المادي على الإنسان، ويقوي – ولو إلى حد – من القيم الثقافية القائمة أساسا على الحق والعدل وما به تتحقق العزة والكرامة”؛ لأنه “لا معنى لأي تنمية ما لم تكن في خدمة هذا الإنسان، للرفع من مستواه التعليمي والمعرفي والسلوكي، أي مستواه الثقافي وما له من انعكاس مثمر على حياته ومعيشته ووجوده الفاعل والنافع في المجتمع”.

تابعوا آخر الأخبار من رصد 24 على WhatsApp

مقالات ذات صلة

"طربوش وسبنية" تفتح ملفات المرأة
السبت 6 يونيو 2026 - 02:15

"طربوش وسبنية" تفتح ملفات المرأة

أكاديمية المملكة تطلق سلسلة ندوات
السبت 6 يونيو 2026 - 00:08

أكاديمية المملكة تطلق سلسلة ندوات

عميري تنتقد "اتفاقية اليونسكو" وتدعو إلى تحصين التراث المغربي
الجمعة 5 يونيو 2026 - 22:00

عميري تنتقد "اتفاقية اليونسكو" وتدعو إلى تحصين التراث المغربي

أمرير: الجرد والتوثيق أول سلاح لحماية التراث المغربي من السطو
الجمعة 5 يونيو 2026 - 17:00

أمرير: الجرد والتوثيق أول سلاح لحماية التراث المغربي من السطو