هناك أفلام ترعبنا بما نراه، وأفلام أخرى ترعبنا بما تكتشفه فينا. ينتمي فيلم “الهوس” إلى الفئة الثانية؛ تلك الأعمال النادرة التي لا تطرق باب الخوف من الخارج، وإنما تتسلل إلى الغرف المغلقة في الروح، حيث تختبئ الرغبات المنسية، والهشاشات التي نخجل من الاعتراف بها، والحاجة العميقة إلى أن نكون محبوبين مهما كان الثمن. ومنذ لحظاته الأولى يضعنا الفيلم أمام مرآة قاسية، لا تعكس وجوه شخصياته فقط؛ ولكنها تعكس وجوهنا نحن أيضا، وتجبرنا على مواجهة أسئلة لا مفر منها: متى يتحول الحب إلى سجن؟ ومتى يصبح التعلق والتملك حد الهوس شكلا من أشكال العنف؟ وهل يمكن للرغبة في الاحتفاظ بمن نحب أن تتحول إلى لعنة تلتهمنا من الداخل؟
ولا يقدم هذا الفيلم الرعب بوصفه وحشا يخرج من الظلام، وإنما بوصفه فكرة تنمو داخل القلب ببطء، كجذر خفي يمتد في أعماق النفس حتى يخنقها. وهنا لا تبدو الشخصيات ضحايا لقوة غامضة فحسب؛ ولكنها ضحايا احتياجاتها العاطفية وجوعها الوجودي إلى الاعتراف والاحتواء. وكلما تقدمت الأحداث، يتحول السؤال من: ماذا سيحدث للشخصيات؟ إلى: ماذا يحدث للإنسان عندما يخلط بين الحب والامتلاك، وبين القرب والسيطرة، وبين الخوف من الفقدان والرغبة في الهيمنة؟
ولا يمكن اعتبار فيلم “الهوس” مجرد حكاية عن لعنة، بقدر ما هو مرثية مؤلمة لوحدة الإنسان المعاصر، وتأمل نقدي نافذ في هشاشة المشاعر حين تفقد حريتها. إنه فيلم يوقظ القلق أكثر، ويترك المشاهد أمام حقيقة مقلقة؛ وهي أن أكثر الأشباح رعبا ليست تلك التي تسكن البيوت المهجورة، ولكنها تلك التي تسكن أعماقنا ونحن نسميها حبا.
لعبة الافتراس والرعب النفسي
في فيلم Obsession / ” الهوس ” أو “التملك” (المدة 108 دقائق / 2026/ إنتاج أمريكي – بريطاني) للمخرج الأمريكي Curry Barker كوري باركر، لا يبدو الرعب مجرد ظلال تتحرك داخل منزل معتم، ولا مجرد لعنة خارقة تتسلل من شجرة أمنيات غامضة، وإنما يتحول الرعب إلى سؤال وجودي عميق حول معنى الرغبة نفسها، وحول الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما يحاول إجبار العالم على أن يمنحه الحب بالقوة.
ومنذ اللقطة الأولى، يزرع المخرج إحساسا خانقا بالوحدة، حيث تظهر شخصية “بير” (يؤديها مايكل جونستون) كشخصية مهشمة عاطفيا، شاب يتحرك داخل فضاءات باردة، يختبئ خلف الموسيقى والنظرات المرتبكة والكلمات غير المكتملة. ولا تلاحقه الكاميرا بوصفه بطلا، بقدر ما تلاحقه بوصفه كائنا هشا يجر خلفه خوفه من الرفض والخجل الكبير، وكأن الفيلم يريد أن يقول إن الرعب الحقيقي يبدأ قبل ظهور الوحش، داخل القلب نفسه.
ويبني الفيلم سرديته على مبدأ بسيط لكنه مرعب؛ كل رغبة تتحقق تحمل في داخلها بذرة خرابها. وحين يكسر “بير” غصن One Wish Willow (شجرة الصفصاف ذات الأمنية الواحدة)، لا يحدث الانفجار الدرامي مباشرة، ولكنه يبدأ التسلل البطيء للعنة داخل تفاصيل الحياة اليومية. وهنا تكمن عبقرية السيناريو. الرعب لا يأتي من الخارج؛ بل ينمو تدريجيا داخل العلاقة العاطفية نفسها. وشخصية “نيكي فريمان” (تؤديها الشابة آناد نافريت) لا تتحول فجأة إلى كائن مرعب؛ ولكن تبدأ بالتعلق المرضي، بالمراقبة، بالخوف من الفقدان، ثم بالهيمنة. وهكذا يصبح الحب نفسه شكلا من أشكال الافتراس.
واحد من أكثر المشاهد التي تتبع هذا الهوس في الفيلم هو المشهد الذي تجلس فيه “نيكي” أمام المرآة ليلا بينما ينعكس وجهها في زجاج النافذة بطريقة مزدوجة. وفي تلك اللحظة يختفي الفرق بين الحبيبة والشبح. ولا يعتمد المشهد على الدم أو الصراخ، وإنما على التكوين البصري البارد، وعلى الصمت الطويل الذي يجعل المتفرج يشعر بأن شيئا ما يتآكل داخل الشخصية. وهنا يتجلى ذكاء المخرج في بناء الرعب النفسي؛ إنه رعب قائم على التوتر الداخلي، وعلى الإحساس بأن المشاعر نفسها يمكن أن تصبح مرضا قاتلا.
الانحدار نحو الهاوية
يتحرك السرد الفيلمي مثل انحدار بطيء نحو الهاوية. ويبدو كل مشهد امتدادا عضويا لما قبله، وكأن السيناريو ينسج شبكة خانقة حول الشخصيات دون أن يمنحها فرصة النجاة. وتبدو الحوارات مكتوبة بلغة تبدو عادية ظاهريا؛ لكنها محملة بإشارات تهديد مبطنة. وعندما تقول “نيكي”: “أريدك لي وحدي”، تبدو العبارة محملة بنفحة رومانسية في البداية؛ لكنها تتحول لاحقا إلى إعلان رعب كامل. وهذا التحول الدلالي هو ما يمنح الفيلم قوته؛ لأن الكلمات العاطفية نفسها تصبح أدوات اختناق نفسي.
ويعتمد السيناريو يعتمد على تمفصلات دقيقة بين الرغبة والخوف، بين الحميمية والعنف، وبين الواقع والهلوسة. وهناك مشهد محوري حين يكتشف “بير” أن اللعنة لا تمنح الحب الحقيقي، وإنما تصنع نسخة مشوهة منه. وفي تلك اللحظة تنهار الفكرة الرومانسية التقليدية للفيلم، ويتحول العمل إلى تأمل سوداوي حول الأنانية العاطفية. ولا تمثل الرغبة هنا خلاصا، وإنما لعنة وجودية؛ لأن الإنسان حين يحاول امتلاك الآخر بالكامل، فإنه يدمره ويدمر نفسه معه.
ويلعب الفضاء البصري للفيلم يلعب دورا سرديا حاسما. وتعكس الألوان الباهتة، والإضاءة الخافتة، والممرات الطويلة داخل المنزل، الحالة النفسية للشخصيات. وتأتي الموسيقى مثل همسات بعيدة، لا تهاجم المشاهد مباشرة؛ ولكنها تتسلل إلى أعصابه ببطء. ويبدو الفيلم أحيانا كأنه قصيدة حزينة عن الوحدة أكثر منه فيلم رعب تقليدي.
ومن أكثر لحظات الفيلم قسوة وشاعرية نهاية الفيلم، حيث لا يقدم الفيلم خلاصا أخلاقيا واضحا؛ ولكنه يترك شخصياته غارقة داخل خرابها العاطفي. وآخر نظرة في عيني شخصية “بير” تبدو كاعتراف متأخر بأن الإنسان لا يستطيع أن يختصر الحب في الامتلاك، وأن الحب الذي يُنتزع بالقوة يتحول دائما إلى شكل آخر من أشكال الموت.
ولا يمكن اعتبار الفيلم لعنة غامضة بقدر ما هو تعبير عن هشاشة الإنسان حين يصبح أسيرا لرغباته. إنه عمل يحول الرومانسية إلى متاهة نفسية خانقة، ويجعل من الحب نفسه أكثر الأشياء رعبا على الإطلاق.
في رهانات العزلة العاطفية
تنتمي شخصية “بير” إلى ذلك النوع من الأبطال الذين لا يحملون قوة خارقة، ولا يمتلكون يقينا أخلاقيا صلبا؛ ولكنه يعيش داخل هشاشته كأنه يمشي فوق زجاج مكسور. إنه بطل القلق الوجودي في سينما الرعب النفسي، وهو يمثل الشخصية التي لا تقاتل الوحش الخارجي فقط؛ ولكنها تصارع الفراغ العاطفي الذي يلتهمها من الداخل. ولهذا، يبدو حضوره باهتا أحيانا ومترددا ومنكسر النظرات، وكأن الفيلم يتعمد أن يسحب من بطله كل صفات البطولة التقليدية ليجعله أقرب إلى الإنسان المعاصر؛ كائن خائف من الوحدة أكثر من خوفه من الموت.
ولا يدافع “بير” عن الحب بقدر ما يدافع عن حاجته إلى أن يكون مرئيا داخل العالم؛ وتلك هي حساسيته الكبرى. إنه يخشى أن يمر في الحياة دون أن يترك أثرا داخل قلب أحد. ولهذا، تتحول رغبته العاطفية إلى استعارة عن الجوع الإنساني للاعتراف والاحتواء. وحين يقول في أحد المشاهد: “أردت فقط أن أشعر بأنني مهم بالنسبة لشخص ما”، تبدو العبارة كأنها اعتراف جيل كامل يعيش في عزلة عاطفية خانقة رغم ضجيج العالم الرقمي.
وفي هذا النوع من السينما، لا يمكن اعتبار البطل منقذا، وإنما ضحية وفاعلا في الوقت نفسه. إنه ينتمي إلى ما يسمى “البطل المأزوم”، الشخصية التي تسقط لأنها تحمل داخلها بذرة سقوطها. وكل خطوة يخطوها “بير” نحو الحب تدفعه أكثر نحو الخراب. وهنا، تتجلى قسوة الفيلم، إذ لا يعاقب الشرير فقط، وإنما يعاقب الرغبة البشرية نفسها حين تتحول إلى امتلاك.
أما “نيكي”، فهي فلا يمكن اعتبارها شخصية ممسوسة بلعنة؛ ولكنها مرآة معتمة لفكرة الحب المشروط بالخوف. ويمنحها الفيلم حساسية مركبة؛ فهي لا تريد الأذى بقدر ما تخاف من الهجر. وكل عنفها نابع من رعبها الداخلي. ولهذا، تصبح شخصيتها مأساوية أكثر من كونها شريرة. وفي إحدى اللحظات الأكثر اختناقا، تقول وهي تبكي: “إذا تركتني، سأختفي”. وهنا يفهم المشاهد أن الرعب الحقيقي ليس الدم، وإنما ذلك الخوف البدائي من أن يتحول الإنسان إلى عدم داخل ذاكرة من يحب.
ولا تتحرك بدورها الشخصيات الثانوية كديكور سردي، وإنما كأصوات تحاول مقاومة الانهيار النفسي للبطل. “إيان” (أداها كوبر توملينسون) يمثل العقلانية المذعورة، وهو الشخص الذي يرى الكارثة قبل وقوعها؛ لكنه عاجز عن إيقافها. وجوده داخل الفيلم يشبه صوت الضمير المتأخر، بينما تتحول “سارة” (أدت دورها ميغان لاوليس)، وهي شاهدة حزينة على تفسخ العلاقات الإنسانية حين يدخلها الهوس.
في معنى التصدعات الداخلية للإنسان
لا يدافع الفيلم عن الحب الرومانسي، وإنما عن حرية الإنسان العاطفية، ويدين الرغبة في تملك الآخر، ويكشف كيف يمكن للمشاعر الجميلة أن تتحول إلى أدوات قمع ناعمة. ولا يمثل الحب هنا خلاصا، وإنما اختبار أخلاقي قاسٍ؛ بسؤال عميق هل تستطيع أن تحب شخصا دون أن تسجنه داخل خوفك؟
وتتأسس سينما الرعب النفسي الحديثة، كما يقدمها فيلم «Obsession»، لم تعد تبحث عن الوحوش التقليدية؛ ولكن عن التصدعات الداخلية للإنسان المعاصر. ولا يمثل الوحش الحقيقي في الفيلم اللعنة؛ ولكن هو الفراغ العاطفي الذي يجعل الشخص مستعدا لتحطيم العالم كي لا يبقى وحيدا. ولهذا، يبدو “بير” شبيها بأبطال سينما القلق والاغتراب؛ شخصيات تتحرك داخل المدن والعلاقات وهي تحمل هشاشتها مثل جرح مفتوح.
ولا يخرج المشاهد خائفا من الشجرة الملعونة، وإنما من نفسه. ومن تلك اللحظة التي قد يختلط فيها الحب بالخوف، والرغبة بالهيمنة، والاحتياج بالتدمير. وهنا ينجح الفيلم في خلق رعبه الأعظم؛ أن يجعل الإنسان يشك حتى في أكثر مشاعره نقاء.
حالات التكرار العاطفي
على الرغم من الإشادة الواسعة التي حظي بها فيلم «Obsession» بسبب أجوائه النفسية الثقيلة وحساسيته البصرية، فإن العمل لم ينجُ من انتقادات نقدية متعددة؛ فقد وقع الفيلم في تمطيط مجاني وأحيانا في بطء سردي مبالغ فيه، خصوصا في منتصفه، حيث تتحول المشاهد التأملية الطويلة إلى حالة من التكرار العاطفي الذي يضعف إيقاع التوتر. كما أن السيناريو اعتمد على فكرة معروفة داخل سينما الرعب، تقوم على “تحقق الأمنية الملعونة”، دون أن يقدم انقلابا جذريا على هذا القالب الكلاسيكي.
كما أن بناء شخصية “نيكي”، وتحولها النفسي نحو الهوس والعنف كان يحتاج إلى تعميق أكبر، حتى لا تبدو اللعنة وكأنها تفسير جاهز لكل أفعالها. وفي المقابل، إن الفيلم يبالغ في شاعريته البصرية على حساب الرعب المباشر، إذ يفضل الصمت والرمزية بدل المواجهات الصادمة التي ينتظرها جمهور الرعب التقليدي.
ومع ذلك، فإن أغلب الانتقادات نفسها تحولت إلى جزء من فرادة الفيلم؛ لأنه اختار أن يكون دراسة نفسية للحب المريض والمشروط أكثر من كونه فيلم رعب تجاري سريع الإيقاع.
ختاما
يترك فيلم “الهوس” خلفه أثرا يشبه الندبة أكثر مما يشبه الذكرى. إنه فيلم لا ينتهي عند آخر مشهد؛ ولكن يبدأ داخله، في تلك المنطقة المظلمة التي تختلط فيها الرغبة بالخوف والحب بالتملك. ولا تكمن قوته الحقيقية في اللعنة ولا في الرعب النفسي وحده، وإنما في قدرته على فضح هشاشة الإنسان حين يحاول امتلاك ما لا يمكن امتلاكه. وعلى الرغم من بعض تعثراته السردية وإيقاعه المتباطئ أحيانا، فإنه ينجح في تحويل المشاعر إلى ساحة صراع وجودي مؤلم. إنه عمل يهمس بحقيقة قاسية وهي أن أكثر الوحوش فتكا ليست تلك التي تسكن الظلام؛ ولكنها تلك التي تنمو بصمت داخل القلب.



